من ضباب السودة إلى دفء القرى

في يوم الاثنين الموافق 20 يوليو 2026

تأتي هذه التغطية لتسلط الضوء على المقومات السياحية الفريدة التي تزخر بها منطقة عسير، والتي تجمع بين الطبيعة والتراث والمغامرة.

هلال الثبيتي - أبها:

عند وصول السائح إلى عسير، تستقبله الطبيعة الخلابة بقمم تلامس الغيوم وضباب ينساب بين الجبال، وتمتد الخضرة على مد النظر. وما إن يصل الزائر إلى مرتفعات مثل «السودة» حتى يدرك أن الرحلة تجربة متكاملة تمتزج فيها الطبيعة بالثقافة والتراث بالمغامرة.

وتعتبر التجربة الميدانية، بين الغابات الكثيفة. حيث، تكتشف زوار عسير أن جمال المنطقة لا يقتصر على طبيعتها، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة التي حافظ عليها أهلها جيلاً بعد جيل.

في أحد المواقع التي تجمع بين الطابع التراثي والعصري، تفوح رائحة خبز التنور الساخن، بينما يشاهد الزوار مراحل إعداده قبل تناوله مع أطباق شعبية أصيلة كالحنيذ والمشغوفة والعريكة، التي تعبر عن هوية المطبخ العسيري.

وعلى مقربة من ذلك، تنبض الأركان التراثية بالحياة، حِرَفيّون ينسجون بخيوطهم حكايات الماضي، ويقدمون نماذج من النسيج العسيري الذي ارتبط بتاريخ المنطقة، بينما ترسم النساء لوحات «القط العسيري» بألوان استُلهمت من البيئة المحيطة، في فن لا يقتصر على الزخرفة، بل يحمل في خطوطه وأشكاله رموزًا ودلالات اجتماعية وثقافية جعلته أحد أبرز عناصر الهوية البصرية لعسير.

ولأن عسير وجهة لعشاق المغامرة تعد مسارات المشي الجبلي «الهايكنج»، بين الغابات والمرتفعات، استكشاف الأشجار والنباتات والحياة الفطرية التي تزخر بها القمم. كما يخضوا السياح والزوار تجربة ركوب الدراجات الهوائية والدراجات النارية في مسارات مخصصة، أضافت إلى الرحلة جرعة من الإثارة وسط طبيعة يصعب أن تتكرر.

وفي هذه الأجواء تحضر القهوة السعودية المعدة من «البُن» المحلي المزروع محليًّا، الذي رسّخ حضوره على خريطة البن العالمي، إلى جانب العسل الطبيعي القادم من تهامة عسير، المعروف بجودته العالية وتنوع مصادر رحيقه، ليكتمل بذلك مشهد الضيافة التي اشتهرت بها المنطقة.

ثم تبرز صناعة «عصابة الرأس» المكونة من الورد الطبيعي والنباتات العطرية التي تنمو في جبال عسير، حيث اكتشف الزوار جانبًا آخر من الموروث المحلي الذي يعكس ارتباط الإنسان ببيئته، وتحويل ما تجود به الطبيعة إلى منتجات تحمل طابع المكان ورائحته.

ومع اقتراب المساء تبدوا القرى التراثية أكثر من مجرد مبانٍ حجرية عتيقة؛ فهي مرآة للنسيج الاجتماعي الذي تشكل عبر مئات السنين، وشاهد حي على قيم التكاتف والإبداع والعمل التي صنعت هوية عسير. فكل بيت، وكل ساحة، وكل ممر ضيق، يروي قصة مجتمع استطاع أن يحافظ على إرثه، وأن يحوله إلى تجربة يعيشها الزائر بكل حواسه.

اقرأ أيضاً

وتعكس هذه التجربة المتكاملة أهمية السياحة الداخلية في المملكة، حيث تسعى الجهات المعنية إلى تعزيز المنتج السياحي المحلي. ويبرز دور المجتمعات المحلية في الحفاظ على التراث وتقديمه للزوار، مما يسهم في استدامة القطاع السياحي. من المتوقع أن تواصل عسير جذب الزوار بفضل تنوع تجاربها التي تلامس جميع الحواس.