بين المحافظة أو إراقة ماء وجهه - عثمان بن حمد أباالخيل
في زمن الضجيج المتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي، تراجعت الاهتمامات بالخصوصيات الإنسانية، وأصبحت هذه المنصات ميداناً للانتهاكات. ومن أسمى هذه الخصوصيات وأرقاها حفظ ماء الوجه الذي يمثل صون الكرامة لمن يفقه معناه. فماء الوجه أغلى ما يملكه الإنسان، وقد جعله الخالق أغلى من الذهب والألماس والجواهر. وحين يحافظ المرء على ماء وجهه، يتجنب الإحراج والإذلال أمام الآخرين، بغض النظر عن الأخطاء أو المواقف الصعبة، وهذا ما يُعرف بـ«إراقة ماء الوجه». وفي الحياة نجد من يستمتع بإراقة ماء وجه الآخرين وإحراجهم دون منحهم وقتاً لإنقاذ موقفهم. والعطاء ليس مالاً فحسب، بل هو كيف نحافظ على ماء الوجوه، ونُطيب الخواطر، ونرسم الابتسامة. فإراقة ماء وجه إنسان كإراقة دمه، فهل يدرك أولئك الذين يعشقون إذلال الآخرين أنهم بذلك يفقدون إنسانيتهم؟
وتبرز أهمية حفظ ماء الوجه في المجتمعات العربية والإسلامية كقيمة أخلاقية ودينية تعزز تماسك العلاقات الاجتماعية.
عنترة بن شداد.
الإسلام لا يسمح لنا بإراقة ماء وجوه الناس، بل يأمرنا بالحفاظ على شخصياتهم وتقديرها واحترامها، وعدم إهانتهم أو إحراجهم، ورعاية مشاعرهم. وقد حث الدين على تجنب إراقة ماء الوجه بوسائل متعددة، منها الملامة والعتاب والتوبيخ والنقد الجارح والمنّ. والمثل الشعبي النجدي «وجه ابن فهرة» يطلق على الشخص شديد الوقاحة عديم الحياء الذي لا يبالي بما يقول ولا بمشاعر من يخاطبه. وهذه الفئة منتشرة في كل مجتمع، وتظهر في أماكن العمل والشوارع والأسواق والمستشفيات. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير». ونصيحي هي ألا تجالس من يتقمص دور ابن فهرة، وابتعد عن فاقد ماء الوجه الذي يظن الآخرين مثله. وما يزعجني شخصياً ردود بعض الناس على السائل، فهي ردود مجحفة ومذلة. كم هو جميل أن يكون الرد بأسلوب لين حتى في حالة عدم تلبية الطلب.
هناك جهات تعطي أشياء عينية، ولكنها تحرص على طباعة أو نقش اسمه أو اسم مؤسسته عليها بحيث تكون بارزة وهذا يحدث كثيرًا إذا كان هذا العطاء للدعاية فلا بأس أم إذا كان لحفظ ماء الوجه فأين فهي ليست كذلك.
همسة
ماء الحياة وماء الوجه كلاهما ضروري لبقاء الإنسان، فاسأل مشاعر من فقد أحدهما.
وتعكس هذه المفاهيم الأصالة في التعامل مع الآخرين، وتذكير بأن الكرامة الإنسانية خط أحمر لا ينبغي تجاوزه. فالحفاظ على ماء الوجه ليس مجرد سلوك فردي، بل مسؤولية مجتمعية تعزز الاحترام المتبادل. والالتزام بهذه القيم يحد من الظواهر السلبية كالتنمر والإذلال، ويؤسس لبيئة أكثر تسامحاً وإنسانية.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.