مشهدٌ مؤلمٌ أن تتحول مرافق الوضوء في المساجد، التي يفترض أن تكون قدوة في التربية على القيم، إلى مسرحٍ لإهدار الماء دون مبالاة، فكم من حنفية تظل مفتوحة، وكم من ماء يسيل بلا فائدة، وكم من تبذير يتكرر يومياً حتى أصبح عادةً لا تثير انتباه الكثيرين، والغريب أن هذا الإسراف يحدث في أماكن تُؤدى فيها أعظم العبادات، في حين أن الشريعة الإسلامية تحرم التبذير ولو في الطهارة، فالعبادة لا تقتصر على الأداء الحسن، بل تشمل حسن التصرف وصيانة النعم.

الماء نعمة إلهية ومورد حيوي يتطلب ترشيد الاستخدام في كل مكان، وفي بيوت الله أولى بتجسيد هذا المبدأ.

إن قطرة الماء ليست أمراً بسيطاً، بل هي نعمة عظيمة أساسها الحياة، والحرص عليها واجب ديني ووطني وأخلاقي، وما يُهدر في مسجدٍ واحد في يومٍ قد يسد حاجات أسر كثيرة لو استُخدم بحكمة. إن معالجة هذه المشكلة لا تحتاج إلى حملات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى ضمير حي وثقافة مسؤولية، مع صيانة دورية للصنابير وشبكات المياه، ووضع لوحات توعوية تذكر المصلين بأن الاقتصاد في الماء عبادة، وأن المحافظة على الممتلكات العامة من الأمانة. فلنجعل المساجد نموذجاً في احترام النعم، ولنعلم أن الحضارة تقاس بحسن إدارة الموارد لا بكثرتها، ومن يحفظ النعمة يحفظها الله له، ومن يستخف بها فقد عرضها للزوال. إن احترام الماء ليس مجرد سلوك حضاري، بل هو شكر عملي لله وأمانة سنُسأل عنها، وخلق يليق بعمّار بيوت الله. وليس علاج هذه الظاهرة بالوعظ العابر، بل بإحياء معنى الأمانة في النفوس حتى يشعر كل داخل إلى المسجد أن المحافظة على الماء مسؤولية شرعية وأخلاقية ووطنية. ومن أولى وسائل العلاج تكثيف الرسائل التوعوية في المساجد، وتضمين خطب الجمعة ودروس الوعظ التحذير من الإسراف وتعظيم النعم، ووضع لوحات إرشادية عند أماكن الوضوء تذكر بأن الاقتصاد في الماء عبادة، وأن كل قطرة محفوظة صدقة على المجتمع، مع العناية بالصيانة الدورية للصنابير، فكم من آلاف اللترات تُهدر بسبب تسرب بسيط أو صنبور معطل أو إهمال. كما ينبغي أن يكون الإمام والمؤذن ورواد المسجد قدوة في حسن استخدام الماء، فالفعل أبلغ من القول، والقدوة الصامتة أرسخ في النفوس. إن الأمم لا تقاس بما تملك من الموارد، بل بما تملك من ضمير يحسن صيانتها، والماء ليس مجرد خدمة بل نعمة وأمانة. فإذا كانت المساجد هي المدرسة الأولى لتعظيم الأمانة، فأولى ما يُصان فيها النعم، ومن المؤسف أن يُسمع هدير الماء فيها أكثر من الحرص على حفظه. فلنغلق الصنابير كما نغلق أبواب الإسراف، ولنجعل وضوءنا درساً في الاقتصاد، وسلوكنا شاهداً على صدق إيماننا، فشكر النعمة خلق يُمارس وأمانة تُؤدى.

مقالات أخرى للكاتب

إن استمرار هدر المياه في المساجد يعكس فجوة بين التعاليم الدينية والسلوك العملي، مما يستدعي تضافر جهود الأئمة والمصلين والإدارات المعنية لترسيخ ثقافة الترشيد. كما أن الصيانة الدورية والتوعية المستمرة تعدان ركيزتين أساسيتين للحد من هذه الظاهرة، خاصة في ظل تنامي أزمة المياه عالمياً. والمسؤولية هنا لا تقع على عاتق فرد بعينه، بل هي أمانة جماعية تتطلب وعياً مستداماً.