منذ انطلاق كأس العالم عام 1930، مرّ على البطولة 96 عامًا، وأُقيمت 23 نسخة، ومع ذلك لم يرفع الكأس سوى ثمانية منتخبات فقط. ويكشف هذا الرقم أن بلوغ قمة كرة القدم العالمية هو حصيلة عمل تراكمي طويل، يبدأ من المدارس والأكاديميات، ويمر بمنظومة احتراف متكاملة، وينتهي بثقافة كروية راسخة في المجتمع.

ومن هنا، فإن الحديث عن مشاركة المنتخب السعودي في كأس العالم 2034، التي ستستضيفها المملكة، يحتاج إلى قدر كبير من الواقعية، وإلى خطط تنطلق من الحقائق، وتفهم القدرات، وتعمل على تطويرها، وتتعامل مع نقاط القوة والضعف بوضوح وموضوعية، بعيدًا عن المجاملة.

وهذا لا يعني خفض سقف الطموح، وإنما إعادة تعريف معنى الإنجاز في هذه المرحلة. فقد يكون النجاح الحقيقي في عام 2034 بناء منتخب سعودي قادر على منافسة كبار العالم، وبلوغ أدوار متقدمة، كربع النهائي أو نصف النهائي، ولعب كرة قدم تفرض احترامها. وسيكون ذلك إنجازًا تاريخيًا في مسيرة الكرة السعودية، وخطوة مهمة نحو طموحات أكبر في المستقبل.

ولتحويل هذا الطموح إلى مشروع قابل للتحقق، فإن السنوات الثماني المقبلة كافية لبناء هذا المنتخب، إذا استُثمرت في إعداد لاعبين تتراوح أعمارهم اليوم بين الثالثة عشرة والسابعة عشرة، وتطويرهم فنيًا وبدنيًا وذهنيًا ضمن مشروع وطني واحد، تقوده إدارة مستقرة، وتحكمه مؤشرات أداء واضحة لا تتغير بتغير الإدارات والمدربين.

إن استضافة كأس العالم 2034 فرصة تاريخية للكرة السعودية، واختبار حقيقي لقدرتنا على بناء إرث كروي طويل الأمد، يمهّد لاستعادة هيمنة المنتخب على كأس آسيا، وتعزيز ريادته في بطولتي العرب والخليج.