في زمن يشهد تسارعًا معرفيًا وعلميًا متسارعًا، تبرز شخصيات أكاديمية ومهنية نجحت في تجاوز حدود تخصصاتها، تاركة أثرًا يمتد من قاعات الدرس إلى مجالات القيادة والثقافة والعمل المجتمعي.

تمتاز مسيرة الدكتورة هيفاء إبراهيم فقيه بجمعها بين الأكاديميا والممارسة الميدانية، مما يجعل رؤيتها شاملة ومتكاملة.

وتندرج الدكتورة هيفاء إبراهيم فقيه ضمن هذه النماذج المُلهمة؛ فهي تجمع في مسيرتها بين الخبرة الأكاديمية العميقة والممارسة المهنية، وبين الاهتمام بالإنسان والسعي لتعزيز الوعي وجودة الحياة وتمكين القيادات والكفاءات الوطنية. انطلقت رحلتها من جامعة أم القرى، ثم قادتها طموحاتها العلمية إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لتعود بعدها إلى وطنها محمّلة بتجربة معرفية وإنسانية ثرية. كما انتقلت من التدريس الأكاديمي إلى التدريب التنفيذي والكوتشنغ المهني وتطوير القيادات، إضافةً إلى حضورها الثقافي والمجتمعي عبر إدارة مقهى روشن الشريك الأدبي، وقيادة منصة «مبدعات عربيات».

وفي حوارها مع صحيفة المدينة، نستعرض أبرز محطات مسيرتها العلمية والمهنية، ورؤيتها لمستقبل التعليم والبحث العلمي، ودور الذكاء الاصطناعي، وفرص تمكين المرأة، وأهمية الثقافة والوعي في بناء الإنسان والمجتمع.

* بدايةً، نرحب بكم دكتورة هيفاء إبراهيم فقيه، وكيف تقدمين نفسكِ إلى قراء صحيفة المدينة؟. - أتقدم بدايةً بخالص الشكر والتقدير إلى صحيفة المدينة على هذه الاستضافة الكريمة وإتاحة مساحة للحوار حول قضايا الوعي والقيادة وتمكين الإنسان. ويسعدني أن أكون بين قراء الصحيفة، وأن أشاركهم جانبًا من رحلتي الأكاديمية والمهنية والإنسانية. أنا هيفاء إبراهيم فقيه، مدرّبة تنفيذية وكوتش مهني معتمد بدرجة PCC، وعملت سابقًا في المجال الأكاديمي بجامعة أم القرى، قبل أن أنتقل إلى العمل المهني في مجالات تطوير القيادات، والوعي، وجودة الحياة، والاحتراق الوظيفي. تجمع تجربتي بين العمق الأكاديمي والممارسة العملية، وهو ما منحني رؤية متوازنة لفهم الإنسان داخل بيئات العمل وخارجها، والتعامل مع تحدياته المهنية والإنسانية بوعي أعمق. كما أقود منصة «مبدعات عربيات» التي تحتفي بصوت المرأة وإبداعها، وأدير مقهى روشن، الشريك الأدبي، بوصفه مساحة للحوار الثقافي واللقاءات الملهمة وصناعة المعرفة. أؤمن بأن كل إنسان يحمل قصة تستحق أن تُروى، ورسالة تستحق أن تُسمع، وأن الوعي هو الخطوة الأولى نحو حياة أكثر حضورًا واتزانًا ومعنى. * كيف كانت البدايات الأولى في مسيرتكِ العلمية، وما أبرز المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيتكِ الأكاديمية؟. - بدأت رحلتي العلمية من جامعة أم القرى، حيث تلقيت تعليمي الأول، وتشرّبت أسس البحث والمعرفة، وهناك تفتّحت البذور الأولى لشغفي بالتعلم والاكتشاف. ومن تلك البدايات، حملني الطموح إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي شكّلت محطة محورية في بناء شخصيتي الأكاديمية والاجتماعية. فقد انفتحت خلالها على مدارس علمية متنوعة، وتعرّفت إلى منهجيات بحثية متقدمة، وحصلت على شهادات أسهمت في صقل أدواتي العلمية وتوسيع رؤيتي للعالم. وفي خضم تلك الرحلة، كنت أؤدي دورًا آخر لا يقل أهمية عن تحصيلي العلمي، هو دور الأم. كنت أتنقل بين قاعات الدراسة ودفء المنزل، وبين متطلبات البحث واحتياجات أسرتي، وبين مسؤولية المعرفة ورسالة الأمومة. لم يكن ذلك التوازن سهلًا، لكنه لم ينهكني بقدر ما صقل شخصيتي ومنحني حسًا إنسانيًا أعمق. فقد أصبحت أنظر إلى العلم من زاوية أكثر رحمة واتساعًا، وأدركت أن التجربة الإنسانية لا تنفصل عن التجربة العلمية، بل تثريها وتمنحها معنى. بعد ذلك واصلت رحلتي إلى المملكة المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه، وهي مرحلة رسّخت نضجي العلمي، وعمّقت مهاراتي البحثية، ومنحتني قدرة أكبر على الربط بين النظرية والتطبيق، وبين المعرفة والإنسان. هناك أدركت أن المعرفة ليست مجرد أدوات ومناهج، بل هي قدرة على فهم التجربة البشرية بما تحمله من تحديات وأحلام وتحولات. وبعد اكتمال رحلتي العلمية، عدت إلى الوطن لأبدأ مرحلة جديدة في جامعة أم القرى من خلال التدريس الأكاديمي. كانت تلك التجربة امتدادًا طبيعيًا لمسيرتي؛ إذ أتاحت لي نقل المعرفة، والاحتكاك المباشر بالطلاب، والمشاركة في صناعة بيئة تعليمية تقدّر السؤال وتحتفي بالتفكير النقدي. وفي القاعات الدراسية تعلمت أن التعليم ليس مجرد محتوى يُقدَّم، بل علاقة ومسؤولية ورسالة، وأن دور الأكاديمي لا يقتصر على نقل المعلومة، وإنما يمتد إلى إلهام الطالب ومساعدته على اكتشاف قدراته. وهكذا، من جامعة أم القرى إلى الولايات المتحدة، ثم المملكة المتحدة، والعودة مجددًا إلى أم القرى كأكاديمية، تشكلت محطات رحلتي العلمية، وأسهمت في بناء المنهجية التي أحملها اليوم في عملي المهني بمجالات القيادة والكوتشنغ وجودة الحياة. ومع امتداد هذه التجارب، توليت مسؤولية ثقافية وأدبية من خلال إدارة مقهى روشن بالشراكة مع الشريك الأدبي على مدى ثلاث مراحل. وقد مثّل المقهى مساحة للحوار، ورعاية الفعل الثقافي، وفتح نوافذ للمعرفة والإبداع. فكما حملني العلم إلى آفاق واسعة، حملتني الثقافة إلى الناس وقصصهم، وإلى ذلك الضوء الذي يصنعه الحوار حين يكون صادقًا وعميقًا.

4bd

* ما الذي دفعكِ إلى اختيار تخصص اللغة الإنجليزية، وما الذي وجدتِ فيه من شغف وتميّز؟. - بدأ اختياري للتخصص من اللغة الإنجليزية؛ فقد كانت بالنسبة لي نافذة واسعة على العالم، ولغة تحمل ثقافات متعددة وأصواتًا متنوعة وطرائق تفكير تفتح العقل على آفاق لا تنتهي. وجدت فيها شغفًا مبكرًا بالكلمة، وبالقدرة على فهم الآخر، وبالقوة التي تمنحها اللغة حين تصبح جسرًا بين العقول والقلوب. ولهذا لم تكن الإنجليزية بالنسبة لي مجرد تخصص جامعي، بل كانت بداية علاقة عميقة مع المعرفة والإنسان والعالم. ومع مرور السنوات واتساع تجربتي العلمية والإنسانية، بدأت أكتشف أن ما يشدني لم يكن اللغة وحدها، بل الإنسان الكامن خلف اللغة؛ قصته، وتحدياته، واحتراقه، وبحثه عن المعنى، ورغبته في أن يعيش حياة أكثر حضورًا واتزانًا. ومن هنا بدأ التحول الطبيعي نحو مجالات الكوتشنغ والقيادة والاحتراق الوظيفي. وجدت في هذا المجال امتدادًا أعمق لما أحببته في اللغة؛ الإصغاء والفهم والتواصل ومرافقة الإنسان في رحلة اكتشاف ذاته. وفي الكوتشنغ وجدت شغفًا يشبهني؛ مساحة تجمع بين العلم والوعي، وبين النظرية والتجربة، وبين العقل والقلب. كما وجدت فيه قدرة حقيقية على صناعة الأثر، سواء من خلال مرافقة قائد في لحظة تحول، أو دعم إنسان يستعيد ذاته بعد إنهاك طويل، أو مساعدة شخص على رؤية حياته من زاوية أكثر اتساعًا. أما التميز، فأراه في قدرتي على الجمع بين العمق الأكاديمي الذي منحني إياه تخصص اللغة الإنجليزية ورحلتي العلمية، وبين الخبرة الإنسانية التي صقلتها الأمومة والعمل والمسؤوليات الثقافية والمجتمعية. لقد اخترت اللغة أولًا لأنها تفتح الأبواب، واخترت الكوتشنغ لاحقًا لأنه يفتح القلوب. وبين الباب والقلب، وجدت رحلتي وشغفي وهويتي المهنية. * ما أبرز الإنجازات التي تمثل لكِم محطات فارقة في حياتكم العلمية والمهنية؟. - حين أتأمل رحلتي، أجد أن إنجازاتي لم تكن مجرد محطات تُسجل في السيرة الذاتية، بل كانت منعطفات أعادت تشكيل مساري، ووسعت رؤيتي، وعمّقت إحساسي بالمسؤولية تجاه الإنسان والمعرفة. كانت أولى هذه المحطات حصولي على درجة الدكتوراه من المملكة المتحدة. لم تكن الشهادة بالنسبة لي لقبًا أكاديميًا فحسب، بل كانت لحظة نضج علمي وإنساني، اجتمعت فيها سنوات البحث والسفر والكفاح والأمومة والالتزام الأكاديمي. لقد منحتني هذه التجربة قدرة أعمق على الربط بين النظرية والتطبيق، وبين العلم والحياة، وبين المعرفة والإنسان. ثم جاءت محطة العمل الأكاديمي في جامعة أم القرى، وكانت امتدادًا طبيعيًا لرحلتي العلمية. وفيها اكتشفت أن المعرفة مسؤولية، وأن الأثر الحقيقي لا يُقاس فقط بما يُكتب في السجلات، بل بما يتركه التعليم في نفوس الطلاب. تعلمت في قاعات الدراسة أن التعليم علاقة إنسانية قبل أن يكون مادة علمية، وأن كل طالب هو عالم مستقل يستحق الإصغاء والتقدير والاهتمام. ومن المحطات الفارقة أيضًا انتقالي إلى عالم الكوتشنغ والقيادة وجودة الحياة. فقد وجدت فيه مساحة تجمع بين العلم والوعي، وبين التجربة والإنسان، وبين العقل والقلب. كان هذا التحول إنجازًا بحد ذاته؛ لأنه أعاد تعريف دوري من أكاديمية تنقل المعرفة إلى مرافقة مهنية تساعد الإنسان على اكتشاف ذاته، واستعادة حضوره، وبناء خيارات أكثر وعيًا في حياته وعمله. كما جاءت تجربة إدارة مقهى روشن بالشراكة مع الشريك الأدبي لتضيف إلى مسيرتي بعدًا ثقافيًا مهمًا. لم يكن روشن مجرد مشروع أو مساحة تجارية، بل كان منصة للحوار، وبيتًا للكلمة، ونافذة للوعي والإبداع. وفي روشن أدركت أن الثقافة فعل يومي، وأن الحوار جسر حقيقي بين الناس، وأن المسؤولية الأدبية امتداد طبيعي لمسؤولية العلم. وأعتز كذلك بتأسيس منصة «مبدعات عربيات»، وهي مبادرة تسعى إلى تمكين المرأة العربية، وإبراز صوتها، والاحتفاء بإبداعها، وصناعة محتوى يليق بحضورها الفكري والمهني والثقافي. هذه المحطات، الدكتوراه، والعمل الأكاديمي، والتحول المهني، والمسؤولية الثقافية، وتمكين المرأة، هي التي أسهمت في تشكيل هويتي اليوم، ورسخت لديّ قناعة بأن الرحلة لا تُقاس بطولها، بل بالأثر الذي تتركه في الطريق. * كيف تقيّمين واقع التعليم والبحث العلمي في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم؟. - نعيش اليوم في عالم يتحرك بوتيرة متسارعة، وتتغيّر فيه المعرفة والأدوات بصورة مستمرة، وتتسع معه الفجوة بين ما نعرفه وما ينبغي أن نتعلمه. وفي هذا السياق، يصبح تقييم واقع التعليم والبحث العلمي ضرورة ومسؤولية، وليس مجرد ترف فكري. أرى أن التعليم يقف اليوم على أعتاب تحول تاريخي. فلم يعد مقتصرًا على القاعة والكتاب والمحاضرة، بل أصبح منظومة واسعة تتداخل فيها التقنية مع الوعي، والمهارة مع التجربة، والابتكار مع القدرة على التعلم المستمر. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو إعادة الإنسان إلى مركز هذه المنظومة، حتى لا يتحول المتعلم إلى متلقٍ سلبي، أو المعلم إلى ناقل للمعلومات، أو المعرفة إلى محتوى عابر لا يترك أثرًا. أما البحث العلمي، فيعيش من حيث الإمكانات لحظة استثنائية، لكنه يواجه تحديًا حقيقيًا يتعلق بالعمق والجودة. فقد تدفع سرعة التطورات بعض الباحثين إلى الاهتمام بالإنتاج الكمي على حساب التأمل، أو إلى ملاحقة الاتجاهات العالمية على حساب الأسئلة المحلية التي تحتاج إلى حلول واقعية. وفي المقابل، فإن الانفتاح المعرفي، والتعاون الدولي، وتوافر قواعد البيانات والأدوات البحثية المتقدمة، تمنح البحث العلمي فرصًا غير مسبوقة للنمو والتأثير، إذا أحسنّا توظيفها. إن التعليم والبحث العلمي في عالم اليوم يحتاجان إلى وعي قبل الأدوات، وإلى رؤية قبل المناهج، وإلى إنسان قبل التقنية. فالتعليم الحقيقي هو الذي يصنع عقلًا قادرًا على التفكير والتحليل، لا عقلًا مكتفيًا بالحفظ. والبحث الحقيقي هو الذي يطرح أسئلة جديدة، ويضيف إلى المعرفة، ولا يكتفي بإعادة إنتاج الإجابات القديمة. ومسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نواكب العالم، بل أن نشارك في تشكيله؛ من خلال تعليم يليق بإنسان هذا العصر، وبحث علمي يلامس احتياجات المجتمع، ويعيد للعلم دوره في بناء الإنسان بدلًا من إغراقه بالمعلومات. * ما الدور الذي يمكن أن يؤديه البحث العلمي في دعم التنمية الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة؟. - لم يعد البحث العلمي نشاطًا أكاديميًا محصورًا داخل المختبرات أو صفحات الكتب، بل أصبح قلب التنمية وعمودها الفقري، وأداة أساسية تستخدمها الدول لقراءة المستقبل والمشاركة في صناعته. في عالم تتسارع فيه التحولات، يمثل البحث العلمي البوصلة التي توجه السياسات، وتدعم الاقتصاد، وتساعد على إعادة تشكيل المجتمع وفق أسس أكثر وعيًا واستدامة. ويؤدي البحث العلمي دورًا محوريًا في دعم التنمية الوطنية من خلال قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والموارد إلى حلول، والمعرفة إلى مشروعات قابلة للتطبيق. فهو يساعد الدول على فهم احتياجاتها الفعلية، وبناء استراتيجيات قائمة على البيانات والأدلة، بدلًا من الاعتماد على الاجتهادات العابرة. كما يسهم في بناء اقتصاد معرفي قوي، ورفع تنافسية الوطن، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز الابتكار المحلي. وفي سياق التنمية المستدامة، يربط البحث العلمي بين الإنسان والبيئة، وبين النمو والحفاظ على الموارد، وبين احتياجات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة. ومن خلاله يمكن تطوير حلول للطاقة النظيفة، وتقنيات تقلل الهدر، وأساليب أكثر كفاءة لإدارة الموارد الطبيعية، ومدن أكثر ذكاءً واستدامة. وكأن البحث العلمي يمنح التنمية صوتًا واعيًا يقول: لن نبني الحاضر على حساب المستقبل. كما يسهم البحث العلمي في تعزيز العدالة المعرفية، من خلال إتاحة الفرصة للمرأة والشباب والباحثين للمشاركة في صناعة الحلول والقرار. ومن خلال نتائجه يمكن تطوير سياسات تعليمية وصحية واقتصادية أكثر اتساقًا مع احتياجات المجتمع، وأكثر قدرة على صناعة أثر طويل المدى. وفي ظل رؤية وطنية طموحة مثل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، يصبح البحث العلمي ضرورة استراتيجية، وليس خيارًا إضافيًا؛ لأنه يدعم التحول الوطني، ويسهم في بناء مجتمع معرفي، واقتصاد متنوّع، وتنمية مستدامة تحافظ على الإنسان والبيئة معًا. إن البحث العلمي هو الجسر الذي يعبر به الوطن من الممكن إلى الأفضل، ومن الفكرة إلى التطبيق، ومن الحلم إلى الواقع. * كيف تنظرين إلى دور المرأة في المجالات الأكاديمية والبحثية. وما أبرز فرص تمكينها؟. أرى أن المرأة اليوم تقف في قلب المشهد الأكاديمي والبحثي، لا على أطرافه. تقف بثبات صنعته المعرفة، وبحضور صاغته التجربة، وبإصرار على أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل، لا مجرد شاهدة عليه. لقد أثبتت المرأة أن العلم لا يعرف جنسًا، وأن القدرة على الإضافة والإبداع والإنجاز هي المعيار الحقيقي للتميز. في المجال الأكاديمي، أصبحت المرأة شريكة في بناء المعرفة، ومساهمة في تطوير المناهج، وقائدة في قاعات التدريس، وباحثة تعيد صياغة الأسئلة وتفتح مسارات جديدة للفهم. وفي البحث العلمي، أثبتت حضورًا نوعيًا قائمًا على الدقة والعمق والقدرة على الربط بين العلم والحياة، وبين النظرية والتجربة، وبين احتياجات الإنسان والمجتمع. أما فرص تمكين المرأة اليوم، فهي أوسع من أي وقت مضى، لا سيما في المملكة العربية السعودية، التي فتحت ضمن مسيرة التحول الوطني مسارات متقدمة أمام المرأة للمشاركة في التنمية وصناعة القرار والبحث والابتكار. ومن أبرز فرص التمكين: -) المنح البحثية وبرامج الدراسات العليا، التي تمنح المرأة مساحة للتعمق العلمي والتخصص الدقيق. -) المناصب والقيادات الأكاديمية، التي تتيح لها المشاركة في صياغة السياسات التعليمية والبحثية. -) المراكز البحثية المتخصّصة، التي تدعم الباحثات ومشروعاتهن، خصوصًا في مجالات الصحة والبيئة والتقنية والعلوم الإنسانية. -) المنصات الثقافية والمعرفية التي تمنح المرأة صوتًا ومساحة للتأثير، مثل منصة «مبدعات عربيات» وغيرها من المبادرات. -) التحول الرقمي، الذي فتح آفاقًا جديدة للتعلم والبحث والتواصل العلمي، وجعل الوصول إلى المعرفة أكثر مرونة وعدالة. إن تمكين المرأة في المجال الأكاديمي والبحثي ليس مجرد دعم لفئة من المجتمع، بل استثمار في عقل قادر على الإضافة، وفي رؤية قادرة على التغيير، وفي طاقة تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله. وأؤمن أن المرأة حين تُمنح الفرصة، لا تكتفي بأن تكون جزءًا من المشهد، بل تسهم في إعادة تشكيله. * ما أهم التحديات التي واجهتكِ خلال مسيرتكِ، وكيف استطعتِ تحويلها إلى دافع للنجاح؟. - لم تكن رحلتي طريقًا ممهدًا، بل كانت مسارًا تتجاور فيه المعرفة مع التجربة، والإنجاز مع التحدي، والضوء مع الظلال. ومن أبرز التحديات التي شكّلتني تجربة الغربة؛ فهي لا تعلّم الإنسان اللغة فقط، بل تعلّمه الصبر، والاعتماد على الذات، والقدرة على بناء حياة جديدة من الصفر. كانت الغربة اختبارًا للثبات، ونافذة اكتشفت من خلالها قوة داخلية لم أكن أدرك حجمها من قبل. وإلى جانب الغربة، جاءت المسؤولية الأسرية. فقد كان عليّ أن أكون بعيدة عن الوطن وقريبة من حلمي، وفي الوقت نفسه حاضرة بكل قلبي في حياة أسرتي. كنت أوازن بين البحث العلمي ومتطلبات الحياة اليومية، وبين الدراسة وتفاصيل المنزل، وبين الطموح واحتياجات أبنائي. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان مدرسة حقيقية في التنظيم والمرونة والقدرة على تحويل الضغوط إلى طاقة دافعة. كما كانت تربية الأبناء مسؤولية كبيرة بالنسبة لي. كنت أطمح إلى تربية جيل لا يحمل الشهادات فقط، بل يحمل القيم والوعي والقدرة على الانفتاح على العالم دون أن يفقد جذوره. وأؤمن دائمًا بأن الأمومة ليست عائقًا أمام الطموح، بل قد تكون من أقوى مصادره؛ فالطفل الذي يرى والدته تتعلم وتجتهد وتواجه التحديات سيكبر وهو يدرك المعنى الحقيقي للمثابرة والعمل. لقد تحولت الغربة والمسؤوليات الأسرية وتحديات الأمومة إلى جسور صنعت قوتي، ولم تكن عوائق أوقفتني. فقد رأيت في كل تحدٍ فرصة للنمو، وفي كل صعوبة درسًا، وفي كل لحظة إنهاك سببًا إضافيًا للاستمرار. وتعلمت أن النجاح لا يُقاس فقط بما نصل إليه، بل بما استطعنا تجاوزه، وأن الإنسان لا يُعرَف بما يملكه بقدر ما يُعرَف بقدرته على النهوض بعد التعثر. وهكذا أصبحت التحديات وقودًا لمسيرتي، لا عبئًا عليها، وصوتًا يذكرني دائمًا بأن الطريق الصعب قد يقود إلى أثر عظيم. * كيف ترين تأثير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في مستقبل التعليم والبحث العلمي؟. - أرى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقف عند حدود التقنية، بل أصبح شريكًا مؤثرًا في صناعة المعرفة، وعنصرًا أساسيًا في إعادة تشكيل التعليم والبحث العلمي. نحن أمام عصر تتغيّر فيه أدوات التعلم، وتتبّدل فيه أدوار المعلم والطالب والباحث. فلم يعد الطالب مجرد متلقٍ، ولا المعلم ناقلًا للمعلومات، ولا الباحث محصورًا بين جدران المختبر أو حدود المصادر التقليدية. في مجال التعليم، أحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا يشبه الثورة الصامتة؛ إذ فتح آفاقًا للتعلم الشخصي، وأتاح لكل طالب فرصة التعلم وفق سرعته واحتياجاته واهتماماته. لم يعد التعليم قالبًا واحدًا يطبّق على الجميع، بل أصبح تجربة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الفروق الفردية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على إنسانية العملية التعليمية، وألا تتحول التقنية إلى بديل عن المعلم، بل إلى أداة تعزّز دوره وتوسع أثره. أما في البحث العلمي، فقد منح الذكاء الاصطناعي الباحثين قدرات غير مسبوقة على تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، ومراجعة الأدبيات، وتسريع الوصول إلى النتائج. وأصبح بالإمكان إنجاز أعمال كانت تحتاج إلى فترات طويلة خلال وقت أقصر، لكن يبقى السؤال الجوهري: كيف نحافظ على روح البحث؟ وكيف يبقى السؤال العلمي هو جوهر العملية، لا مجرد نتيجة تنتجها الخوارزميات؟.. لقد أعادت التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى التحول الرقمي، تعريف مفهوم المعرفة، وجعلتها أكثر اتساعًا وسهولة في الوصول. لكنها تتطلب في الوقت نفسه وعيًا ومسؤولية وأخلاقيات واضحة، وقدرة على التمييز بين الأداة والغاية. إن مستقبل التعليم والبحث العلمي في ظل هذه التقنيات لن يكون مجرد تطور في الأدوات، بل إعادة صياغة كاملة لطرق التفكير والتعلم والبحث. وسيكون الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من هذا المستقبل، لا بوصفه بديلًا عن الإنسان، بل امتدادًا لقدراته ومساعدًا له في رحلة فهم العالم. فالتقنية، مهما بلغت قوتها، تبقى بحاجة إلى عقل واعٍ يقودها، وقلب حي يوازنها، ورؤية إنسانية تمنح استخدامها المعنى والاتجاه. * ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث أو الأكاديمي ليحقق التميز والاستمرارية؟. - الباحث الحقيقي لا يُعرَف بما يكتبه فقط، بل بما يحمله من صفات تصنع طريقه، وتهذّب علمه، وتمنح رحلته معنى يتجاوز الأوراق والمختبرات. فالتميّز في البحث العلمي ليس صدفة، والاستمرارية ليست حظًا، بل هما ثمرة مجموعة من الصفات المتكاملة. تأتي في مقدمتها صفة الفضول المعرفي؛ ذلك الشغف الذي يدفع الباحث إلى طرح الأسئلة قبل البحث عن الإجابات، وإلى النظر في التفاصيل التي قد يمر بها الآخرون دون انتباه. فالفضول هو الشرارة الأولى لكل اكتشاف. ثم تأتي الأمانة العلمية، وهي جوهر الباحث وميزانه الأخلاقي. فالعلم مسؤولية، والحقيقة لا يجوز اختزالها أو تزيينها أو فصلها عن سياقها. والباحث الأمين يبني الثقة، ويصنع أثرًا، ويترك إرثًا معرفيًا قابلًا للاستمرار. ويحتاج الباحث كذلك إلى الصبر؛ فالبحث العلمي ليس طريقًا سريعًا، بل رحلة طويلة تتخللها المحاولات والإخفاقات والأسئلة التي قد تتأخر إجاباتها. والصبر هو ما يمنح الباحث القدرة على الاستمرار حين يتوقف الآخرون. كما تمثل المرونة الفكرية صفة أساسية؛ أي القدرة على مراجعة الرأي حين تتغيّر الأدلة، وإعادة النظر في القناعات عند ظهور معطيات جديدة. فالمرونة ليست ضعفًا، بل دليل على النضج العلمي واتساع الرؤية. ومن الصفات المهمة أيضًا القدرة على الربط بين النظرية والتطبيق. فالعلم الذي يبقى حبيس الكتب لا يصنع أثرًا، والبحث الذي لا يلامس الواقع يظل ناقصًا مهما بلغت دقته. والباحث المتميز هو الذي يحوّل المعرفة إلى حلول وممارسات نافعة. ولا يمكن إغفال مهارة التواصل العلمي؛ فالباحث لا يكتب فقط، بل يشرح ويبسط ويقنع، ويجعل العلم قريبًا من المجتمع. والتواصل هو الجسر الذي يعبر من خلاله البحث من المختبر إلى حياة الناس. وأخيرًا، يحتاج الباحث إلى اتساع إنساني؛ أي القدرة على فهم الإنسان خلف الأرقام، ورؤية أثر العلم في الحياة، والتعامل مع المعرفة بروح تجمع بين الدقة والرحمة. فهذه الصفات، الفضول، والأمانة، والصبر، والمرونة، والقدرة على التطبيق، والتواصل، والبعد الإنساني، هي ما يصنع الباحث الحقيقي، ويمنحه القدرة على التميز والاستمرارية والمشاركة في صناعة المستقبل. * كيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تعزّز ثقافة الابتكار والإبداع بين الطلاب والباحثين؟. - تقف المؤسسات التعليمية اليوم أمام مسؤولية تاريخية؛ فالعالم يتغير بسرعة، والمعرفة تتجدد باستمرار، والابتكار لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة للتقدم والاستمرار. ولتعزيز ثقافة الابتكار والإبداع، لا يكفي إضافة مقررات جديدة أو تحديث بعض المناهج، بل ينبغي إعادة صياغة روح المؤسسة التعليمية نفسها. يبدأ الابتكار حين يشعر الطالب بأن صوته مسموع، وأن فكرته، مهما بدت صغيرة، تستحق أن تُناقش، وأن الخطأ ليس نهاية الطريق، بل خطوة في مسار التعلم. ويبدأ حين تتحول القاعة الدراسية من مساحة للتلقين إلى بيئة للحوار، ويصبح السؤال أهم من حفظ الإجابة، والبحث أهم من التكرار، والتجربة جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية. ولكي تزدهر ثقافة الإبداع، تحتاج المؤسسات التعليمية إلى: -) بيئة تسمح بالتجريب، ولا تعاقب الخطأ، بل تتعامل معه بوصفه فرصة للتعلم والتحسين. -) مناهج مرنة تشجع التفكير النقدي، وتربط بين التخصّصات، وتدفع الطالب إلى رؤية القضايا من زوايا متعددة. -) مراكز بحثية فاعلة تشرك الطلاب في مشروعات حقيقية، وتجعلهم جزءًا من إنتاج المعرفة، لا مجرد مستهلكين لها. -) شراكات مع المجتمع والقطاع الخاص، تتيح للطلاب والباحثين اختبار أفكارهم في الواقع، وربط العلم بالحياة. -) قيادات تعليمية ملهمة تؤمن بأن الإبداع لا يُفرض، بل يُرعى، وأن الابتكار يحتاج إلى بيئة تسمح للخيال بالحركة. -) مساحات ثقافية وفنية داخل المؤسسات؛ لأن الإبداع لا ينمو في بيئة علمية جامدة، بل يحتاج إلى الفن والحوار والتفاعل الإنساني. -) استخدام واعٍ للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بحيث تتحول الأدوات الرقمية إلى وسائل للإضافة والابتكار، لا إلى بدائل عن التفكير. كما يتطلب تعزيز الابتكار أن يستعيد الطالب دوره بوصفه شريكًا في العملية التعليمية، وأن يستعيد الباحث مكانته بوصفه صانعًا للأسئلة، لا مجرد باحث عن إجابات جاهزة.

تشكل تجربة الدكتورة هيفاء فقيه نموذجًا للمزج بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، حيث أثبتت أن الأكاديمي يمكنه أن يكون قائدًا ثقافيًا ومجتمعيًا. إن اهتمامها بتمكين المرأة والكفاءات الوطنية يعكس أولويات رؤية المملكة 2030، في وقت تبرز فيه أهمية القيادة الواعية والجودة الحياتية في بيئات العمل. كما أن إدارتها لمقهى روشن كمنصة ثقافية تفتح الباب لتساؤلات عن دور الفضاءات العامة في نشر الوعي والإبداع.