الحكم المحلي بعد كأس العالم إلى أين؟ - فهد المطيويع
لطالما كان واقع التحكيم المحلي في تراجع مستمر، من سيئ إلى أسوأ، حتى غدا وجوده في غالبية مباريات الدوري مثار قلق للأندية والجماهير، باستثناء حالات محدودة لبعض المستفيدين. ومع مرور كل موسم، تتصاعد وتيرة الأخطاء وتتكرر حالات الجدل، دون أن نرى مشروعاً جاداً يعيد الثقة إلى الحكم السعودي أو يضعه على المسار الصحيح.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات جدية حول مستقبل التحكيم المحلي في ظل التطورات الكبيرة التي تشهدها الكرة السعودية.
جاءت كأس العالم لتؤكد المخاوف، حيث أثبتت أن الحكم المحلي ما زال يحتاج إلى مزيد من العمل والتطوير ليكون حاضراً بفعالية في المحافل الكبرى.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى أين يسير مشروع تطوير الحكم المحلي؟ وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة بعد سنوات من الخطط والوعود والبرامج؟ فإذا كانت المحصلة النهائية هي عدم إسناد أي مباراة في كأس العالم للحكم السعودي، فإن ذلك يعد مؤشراً واضحاً على أن المشروع لم يحقق أهدافه، وأن الوقت قد حان لإعادة تقييمه بكل شفافية.
لهذا فمن الطبيعي أن تكون هناك مساءلة حقيقية للقائمين على برامج تطوير الحكام، لأن النتائج هي المعيار الوحيد للحكم على أي مشروع. فالإنفاق الكبير، والاستعانة بالخبرات الأجنبية، وإقامة المعسكرات والدورات، كلها وسائل كان يفترض أن تنعكس على مستوى الحكم المحلي، لكن الواقع يقول إن الفجوة لا تزال قائمة، بل ربما اتسعت أكثر من السابق.
ولست هنا أحمّل الحكام وحدهم مسؤولية هذا الإخفاق، فهم يعملون ضمن منظومة لها آلياتها وبرامجها، ولا يملكون تغييرها أو فرض رؤيتهم عليها. لذلك فإن المسؤولية الأكبر تقع على لجنة الحكام، التي كان يفترض أن تضع خطة واضحة لإعداد جيل قادر على المنافسة قارياً وعالمياً، لا أن يبقى الحكم السعودي أسيراً للأخطاء المتكررة والقرارات المثيرة للجدل من مباراة إلى أخرى. وما يزيد من علامات الاستفهام أن الاتحاد السعودي لكرة القدم رفع تكلفة استقطاب الحكام الأجانب، وكان الهدف المعلن أن ينعكس ذلك إيجاباً على تطوير الحكم المحلي من خلال الاحتكاك ونقل الخبرات.
لكن بعد كل هذه السنوات، لم تظهر النتائج المأمولة، ولم نر حكماً سعودياً يفرض نفسه في أهم البطولات العالمية، وهو ما يدعو إلى مراجعة شاملة لآلية العمل، بعيداً عن المجاملات أو تبرير الإخفاق.
إن تطوير التحكيم لا يكون بالشعارات أو بتغيير الأسماء، بل ببناء مشروع احترافي طويل المدى، يبدأ باكتشاف المواهب، ويمر بالتأهيل العلمي والبدني والنفسي والحماية الكافية، وينتهي بوجود حكام قادرين على تمثيل الوطن في أكبر البطولات بثقة وكفاءة.
في النهاية، لم يكن هذا الفشل مفاجئاً لمن تابع واقع التحكيم خلال السنوات الماضية، بل كان نتيجة طبيعية لتراكمات لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح. وإذا لم تكن المشاركة الباهتة في كأس العالم جرس إنذار يدفع إلى مراجعة شاملة، فمتى ستكون المراجعة؟ فالحكم السعودي يستحق مشروعاً حقيقياً يعيده إلى مكانته، لا مزيداً من الوعود التي تتكرر مع كل موسم، ثم تنتهي بالنتيجة ذاتها.. وكل كأس عالم ونحن نردد: لعل القادم يكون أجمل! لأنه باختصار عندما تزرع بصلاً فلا تتوقع أن تجني غير البصل وسلامتكم.
إن تطوير التحكيم ليس مجرد خيار بل ضرورة لمواكبة طموحات الكرة السعودية. فبدون حكام مؤهلين، ستظل أخطاء التحكيم تلقي بظلالها على المنافسات المحلية والدولية. لذا فإن المراجعة الشاملة هي الخطوة الأولى نحو بناء مشروع حقيقي يعيد الثقة في الحكم السعودي.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.