عدنان جستنيه

قراءة في تقلبات وتناقضات «القدادي»

في 17 يوليو 2026، الساعة 00:02، نُشر هذا التقرير، وآخر تحديث له كان في نفس التاريخ والتوقيت.

عادةً ما يُحجم المصلحون عن الإعلان عن وساطاتهم، لكن المشهد هنا جاء مختلفاً.

تابع قناة عكاظ على الواتساب

جرت العادة في المجتمع أن يوجه الشكر لمن يقوم بمبادرة إصلاحية بين طرفين، تقديراً لجهوده في إنهاء الخصومة، وهذا ما رسخته القيم الأخلاقية.

لكن ما لفت انتباهي هذه المرة هو مشهد غير معتاد، حيث نشر الزميل محمد القدادي تغريدة يشكر فيها الزميل أحمد الشمراني على وساطة أنهت قضية قانونية ناتجة عن إساءة تعرض لها.

- ولكيلا يُساء فهمي، فإنني أقدر موقف الزميل أحمد الشمراني، وأرى أن ما قام به يجسد خلقاً رفيعاً يعكس روح التسامح والإصلاح. كما لا أشك في أنه قدم شكره بصورة مباشرة، شفهياً أو برسالة خاصة لقبول شفاعته، فهذا أمر طبيعي. غير أن يحدث العكس تماماً ونشر هذا الشكر على الملأ، مقروناً بالإشارة إلى تفاصيل الوساطة، هو ما أثار استغرابي، لأن المتعارف عليه أن مثل هذه الحالات غالباً ما يحرص المتسامح على إبقاء مثل هذه المبادرات بعيداً عن الأضواء، حفاظاً على مشاعر من عفا عنه، حتى وإن لم يذكر اسمه، وابتغاءً للأجر، لا بحثاً عن الإشادة.

- هذا الموقف أعاد إلى ذاكرتي حواراً تلفزيونياً جمع القدادي بالزميل تركي العجمة، أعلن فيه صراحة أنه لن يقبل أي شفاعة في قضية اتهمه فيها أحد الأشخاص بالتزوير، إلا إذا جاءت من شخصيات مكية محددة ذكر أسماءها بنفسه.

- بدافع الفضول، عدت إلى حسابه في منصة «إكس»، أبحث عن أي إشارة توحي بأن تلك الوساطة قد تمت، أو عن كلمات شكر وجهها إلى من اشترط تدخلهم، فلم أجد شيئاً.. وهنا بدأت الأسئلة تفرض نفسها بحثاً عن إجابة: هل لم تتم الوساطة أصلاً؟ وإذا تمت لماذا لم يوجه الشكر للشخصيات المكاوية التي أشار إليها بالاسم، أم أنه عدل عن موقفه وتنازل؟ أم أن القضية انتهت بطريقة أخرى؟ لا أملك جواباً، ولذلك أكتفي بطرح الأسئلة دون أن أستبق الإجابات أو أخوض في النوايا، وإن كان حديثه المرئي الأخير يبقي ذلك الاتهام تحت المجهر وبالذات أن من وجهه، إلى يومنا هذا لم يعتذر.

- هذا الموقف لم يكن وحده ما أثار انتباهي، فقد استحضرت أيضاً عدداً من اللقاءات الإعلامية والمقالات الصحفية التي تحدث فيها القدادي عن قضايا تاريخية تخص نادي الاتحاد، ثم قارنتها بأحاديث لاحقة، فوجدت اختلافات جوهرية في بعض الطروحات، لعل أبرزها ما يتعلق بعمادة نادي الاتحاد، وغيرها من المعلومات التاريخية التي سبق أن طرحها بصورة مغايرة.

- حقيقة لا أرى في مراجعة المعلومة عيباً، بل هي فضيلة إذا اقترنت بالاعتراف والتوضيح. أما أن تتبدل الروايات من غير تفسير، فذلك يفتح الباب أمام علامات استفهام مشروعة، ويمنح المتابع حق التساؤل عن أسباب هذا التغير؟!

- وعندما تجتمع هذه المواقف؛ موقف الوساطة، وموقف الشفاعة، وموقف الروايات التاريخية، فإنها ترسم صورة تستحق التأمل، لا لأنها تدين أحداً، وإنما لأنها تشخّص نمطية شخصيات أقوالها لا تطابق أفعالها، متقلبة الأطوار متناقضة في مواقفها.

- ولهذا حاولت أن أقرأ هذه المواقف بواقعية بعيداً عن الانفعال، وبحثت في بعض الدراسات التي تناولت التناقض بين الخطاب والممارسة، فوجدت أن أكثر ما يضعف صورة الإنسان أمام جمهوره ليس الخطأ في حد ذاته، وإنما غياب الاتساق بين ما يقوله وما يفعله. فالناس تتسامح مع الخطأ، لكنها نادراً ما تتسامح مع التناقض.

- وفي النهاية، يبقى ما كتبته مجرد قراءة شخصية تحتمل الصواب والخطأ، بينما تبقى الحقيقة الكاملة واضحة من منظور لا يختلف عليه اثنان «أن المصداقية تُبنى عبر سنوات، وقد تهتز بسبب مواقف متباينة لا تجد تفسيراً مقنعاً لدى أقرب الناس إليك فما بالك بالمتابعين».

هذه التناقضات في المواقف تثير أسئلة حول مصداقية الخطاب العام. فالمجتمع ينتظر من الشخصيات العامة الاتساق بين القول والفعل. وإذا تكررت مثل هذه الحوادث، فإنها تؤثر على الثقة في الخطاب الإعلامي.