أوقفوا إعلانات الجهات الحكومية لدى المؤثرين
تتعدد الحالات التي تبرز المخاطر الجوهرية عندما تلجأ المؤسسات الحكومية إلى التعاون مع المؤثرين، حيث تستعير الجمهور والتاريخ والسمعة والتناقضات المحتملة، وكل ميزة تمنحها لهم تثير أسئلة حول التكلفة والجدوى وشفافية الإنفاق أمام الجمهور. لذا، ينبغي لهذه المؤسسات أن تصبح هي المؤثر ذاته من خلال اتصال مؤسسي ناضج، قائم على المعلومات والخبراء والشفافية.
وتأتي هذه الممارسة في ظل تزايد الإنفاق الحكومي على الإعلان عبر المؤثرين، مما يثير جدلاً حول مدى فعاليتها مقارنة بالوسائل التقليدية.
في الماضي، كانت الجهة الحكومية تبحث عن طبيب لشرح قضية صحية، أو مهندس لتفسير مشروع، أو خبير لوضع القرار في سياقه. أما اليوم، فقد تحول السؤال في بعض الحملات إلى من يمتلك أكبر عدد من المتابعين والأكثر انتشارًا؟ وهنا تتفوق الشهرة على المعرفة، وتدخل الرسالة العامة سوق الإعلانات من أوسع أبوابه.
المؤثر يمارس عملًا مشروعًا لا شك، فقد بنى جمهوره، ويقدم مساحته الإعلامية مقابل أجر، ومن الطبيعي أن يقبل عرضًا يناسبه؛ لذلك هنا اتجه في مقالتي إلى الجهة التي اختارته، وإلى القرار الاتصالي والإنفاقي الذي وضعه أمام الناس ممثلًا لقضية صحية أو اجتماعية أو وطنية.
لماذا اختارته؟ ماذا يعرف عن القضية؟ هل جرى فحص توافق صورته وسلوكه العام مع قيم الحملة؟ وما النتيجة التي اشترتها الجهة فعلًا.. معرفة جديدة، أم آلاف الإعجابات؟!
في إندونيسيا، قدمت دراسة علمية واسعة إجابة تستحق التأمل، حيث تعاون باحثون مع جهات حكومية خلال 2015 و2016 في حملة وطنية على تويتر لتشجيع التطعيمات الروتينية تحت وسم «هيا نتطعّم». شارك فيها 46 من المشاهير والمنظمات، وبلغ إجمالي متابعيهم أكثر من 7.8 ملايين شخص. كانت الرسائل معتمدة من وزارة الصحة الإندونيسية، ووزعت بشكل تجريبي يتيح قياس قيمة اسم المشهور نفسه.
أظهرت النتائج ارتفاع الإعجابات وإعادة النشر بنحو 70 % عندما عرف المستخدمون أن المشهور هو صاحب الرسالة، أما النتائج المرتبطة بتغير القناعات والسلوك الصحي، فقد جاءت أكثر تحفظًا، ووصفها الباحثون بأنها مؤشرات أولية فقط، حققت الشهرة انتشارًا واضحًا، فيما بقي التحول الفعلي في سلوك الناس سؤالًا مفتوحًا.
وهنا يظهر خلل مألوف في تقارير الحملات الاتصالية دومًا.. ملايين المشاهدات، آلاف المشاركات، ورسوم بيانية تبدو مبهرة. ثم يختفي السؤال الأهم: ماذا فهم الجمهور؟ وهل غيّر سلوكه؟ وكم بقي من الرسالة بعد انطفاء حضور المشهور؟
في مكسيكو سيتي عام 2014، أطلقت السلطات حملة لتشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية، في بلد كانت معدلات الرضاعة خلال الأشهر الستة الأولى فيه منخفضة. استعانت الحملة بالممثلتين كاميلا سودي وماريبيل غارديا، إلى جانب الملاكمة ماريانا خواريز، وظهرن في ملصقات مكشوفة الجزء العلوي من الجسد، مع شريط يحمل عبارة معناها: "لا تديري ظهرك لطفلك، أعطيه صدرك".
جذبت الصور الانتباه سريعًا، ثم تحولت الحملة إلى أزمة. اتهمها مختصون وناشطون بتسليع جسد المرأة، وإشعار الأمهات بالعجز والذنب، وتجاهل العقبات الحقيقية مثل قصر إجازة الأمومة وصعوبة الرضاعة في أماكن العمل. كما أثارت الصور اعتراضًا بسبب تقديم أجساد مثالية وبشرة فاتحة بعيدة عن واقع الأمهات. أعلنت الجهة لاحقًا مراجعة الشعار، ودرست إشراك أمهات عاديات في المرحلة التالية، فطغت الوجوه على القضية، وصارت الحملة نفسها مادة للاتهام.
وتكرر المشهد بصورة سياسية خلال أولمبياد بكين الشتوي عام 2022، عندما دفعت القنصلية الصينية في نيويورك 300 ألف دولار إلى شركة أمريكية لإدارة حملة شارك فيها مؤثرون وشخصيات عامة، من بينهم سبّاحة باراولمبية ونجمة تلفزيون واقع. ووفق إفصاحات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، حققت الحملة 3.8 ملايين انطباع رقمي، وأشارت الجهة المنفذة إلى أن 72 % من التفاعلات كانت إيجابية.
لكن كشف التمويل نقل النقاش من الرياضة إلى الدعاية والنفوذ السياسي ومصادر المال، فواجه القائمون على الحملة انتقادات حادة، وأصبح العقد هو الخبر، فيما تراجعت رسالة الأولمبياد خلف الجدل.
وخلال الأسابيع الماضية، تابعنا حملة إعلامية لإحدى الشركات، تصدر فيها عدد من المؤثرين مشهد الإشادة بما وُصف بأنه تحول نوعي في مستوى الخدمات، لكن المشهد اتخذ مسارًا مختلفًا عندما خرج مختصون وممارسون في المجال نفسه يعرضون تجارب وملاحظات وشكاوى تناقض الصورة التي قدمتها الحملة. عندها انتقل النقاش من جودة الخدمة إلى مصداقية الرسالة، وأصبح السؤال: هل كانت الحملة تنقل الواقع، أم تصنع انطباعًا عنه؟، فالمؤثر لا يلام ولا يتحمل مسؤولية القرار؛ لأن مسؤولية القرار تقع على الجهة التي اختارت أن تستأجر جمهورًا، بينما كان الأجدر بها أن تستثمر في بناء جمهورها، وثقتها، وصوتها المؤسسي.
هذه الحالات تكشف مخاطرة جوهرية حين تستعين المؤسسة الحكومية خاصةً بمؤثر، فهي تستعير جمهوره وتاريخه وسمعته وتناقضاته المحتملة، وكل امتياز تمنحه له سيفتح أسئلة عن التكلفة والجدوى وحق الجمهور في معرفة تفاصيل الإنفاق.
الاتصال المؤسسي للجهات الحكومية مسؤول مسؤولية عامة، فالطبيب أقدر على شرح الصحة، والمعلم أقرب إلى قضايا التعليم، والمهندس أصدق في حديثه عن السلامة، والمستفيد الحقيقي يمنح الخدمة وجهًا إنسانيًا، أما المؤثر فيمكن استخدامه قناة للوصول عند الحاجة، ضمن معايير دقيقة وقياس يتجاوز أرقام المنصات.
ختامًا، الجهات الحكومية تحتاج إلى أن تصبح هي المؤثر باتصالها المؤسسي الناضج، بمعلوماتها، وخبرائها، وشفافيتها، واستجابتها، واتصالها؛ فعندما تكون الشهرة جاذبة سريعًا، فإن الثقة تنمو عبر عمل طويل، وعندما تكون الشهرة هي معيار القرار، قد تدفع المؤسسة ثمن الإعلان مرتين.. مرة من ميزانيتها، ومرة من رصيدها لدى الرأي العام.
وتشير تجارب مختلفة، مثل التجربة الإندونيسية التي حققت انتشارًا واسعًا دون تأثير ملموس على السلوك، والحملة المكسيكية التي تحولت إلى أزمة بسبب إهمال السياق الاجتماعي، إلى أن الشهرة وحدها لا تضمن نجاح الحملات الحكومية. كما أن الحملة الصينية خلال أولمبياد بكين، رغم تكلفتها الكبيرة وانطباعاتها الرقمية الضخمة، أثارت تساؤلات حول الأثر الحقيقي والتأثير الإيجابي المزعوم. لذلك، تحتاج المؤسسات إلى تطوير معايير دقيقة لاختيار المؤثرين وقياس الأثر الفعلي على الجمهور.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.