كتاب

أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

بيت الوجيه نصيف

أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

تاريخ النشر: 19 يوليو 2026 22:54 KSA

AA

في الأوَّل من جُمادى الآخرة 1344هـ/ 17 ديسمبر 1925م، تمَّ تَسليم جُدَّة، وفي اليوم التالي، أقام أهالي جُدَّة سرادقًا في محلَّة الكندرة خارج سور جُدَّة؛ لاستقبال الملك عبدالعزيز، وبعد حفلٍ ضخمٍ حضره قناصلُ دولٍ عربيَّة وإسلاميَّة وأجنبيَّة، سارَ الملكُ إلى داخل المدينة. دخل جدَّة في صباح الخميس في 8 جمادى الآخرة، ونزل في بيتِ الوجيهِ الأفندي محمد حسين نصيف، ونشرت صحيفة أُم القرى، والشيخ محمد علي مغربي في كتابه «أعلام الحجاز»، يقولان إنَّ الملك عبدالعزيز دخل جُدَّة من باب مكَّة، وبرفقة الشيخ محمد أفندي نصيف. ويصف المغربي ذلك بقوله «كان دخولُ الملكِ عبدالعزيز جدَّة يوم الخميس 8 جمادى الآخرة عام 1344هـ/ 25 ديسمبر1925م من باب مكَّة، يرافقه في السيَّارة الحاجُّ عبدالله علي رضا، حيث نزل الملك عبدالعزيز في دار الأفندي محمد حسين نصيف، وتقبَّل البيعة من النَّاس». وكان بيت الوجيه نصيف من أكبر بيوت جدَّة، وأجملها عمرانًا، ويُطل على ساحة كبيرة تقع في حارة المظلوم، ولايزال حتَّى يومنا هذا 1448هـ في أزهى صورة، وتحفةً معماريَّةً فريدة. واتَّخذ الملكُ عبدالعزيز البيتَ مقرًّا له عند نزوله وبقائه في جدَّة حتى عام 1348هـ، قبل أنْ ينتقل الى القصر الأخضر في حيِّ العماريَّة.

تمَّ بناءُ البيت في عام 1289هـ، بناه جدُّ الأُسرة الشيخ عمر أفندي نصيف، واستغرق بناؤه أربعَ سنواتٍ، ويتكوَّن من خمسة طوابق، ومن الحجر الجيريِّ، وعدد شبابيكه (30) شبَّاكًا، وله واجهاتٌ أربعٌ، وبه عددٌ من الرَّواشين، من أكبرها الروشان في الواجهة الرئيسة، التي تطلُّ على برحة نصيف، وبه من ضمن مكوِّناته حمَّام بُخار تركي، ولم تكن أغلب منازل جدَّة تمتلكه، وفي الجزء الجنوبيِّ الشرقيِّ منه جناح الخدم، وبه غرفٌ معزولة عن بقيَّة أدوار المنزل. وكانت بالبيت مكتبةٌ كبيرةٌ عامرة بالكُتب والمََراجع العلميَّة، وكانت مقصدًا لطلَّاب العِلم، والباحثين، وكان لرعايتها من قِبل الأفندي نصيف دورٌ في ازدهارها، فهو أحدُ علماء عصره -رحمه الله- ومنزلُه كانَ مقصدًا لكثير من العلماء والرحَّالة من داخل المملكة ومن خارجها، وقد أفاضُوا في ذِكر مناقبِهِ، وسعةِ علمِهِ. يقولُ الأستاذُ عبدالقدوس الأنصاري عنه: «أديبُ جدَّة الأكبرُ وأميرُ الكتبِ فيها، ومكتبتُه حافلةٌ بالقديم والحديث، وهو كريمٌ في انتفاعِ روَّاد المعرفةِ بما في كنوزِهِا، وهُو دائرةُ معارف ناطقةٌ، يُجيب عن الأسئلةِ التي تُوجََّه إليه، ويُرشد إلى مصادر الثِّقة في العلوم الأدبيَّة والتاريخيَّة والفقهيَّة».

واليوم تقومُ وزارةُ الثقافة بإعادتهِ كما كانَ عند سكن الملكِ عبدالعزيز فيه بمكوِّناته وفرشِهِ، الذي كان فيه، وهو عبارةٌ عن متحفٍ، وتُقَام فيه العديدُ من الفعاليَّات، منها معرضٌ لصورِ جدَّة التاريخيَّة، كان قد أقامه مركزُ تاريخ البحر الأحمر التَّابع لدارة الملك عبدالعزيز، وكنتُ أحدَ منظِّميه، عندمَا كنتُ مستشارًا في المركز، وقد زارنَا العديدُ من الشخصيَّات منهم الأمير فيصل بن سلمان، عندما كان أميرًا لمنطقة المدينة المنوَّرة. ولزميلنا الدكتور عبدالله الثقفي كتابٌ عن «العمارة بمدينة جدَّة» صدر عن دارةِ الملك عبدالعزيز في عام 1436هـ، في مجلَّدين، وفيه تفاصيل دقيقة عمرانيَّة عن بيت نصيف.

الملك عبدالعزيزبيت الوجيه نصيف