أزمة التحكيم السعودي: غياب الحماية الإدارية وراء تردي المستوى
يتناول المقال تردي مستوى التحكيم المحلي في السعودية وغياب الدعم الإداري للحكام، مسلطاً الضوء على الضغوط الجماهيرية والإعلامية التي يواجهونها وفشل الاتحاد في توفير بيئة آمنة.
ما زالت قضية التحكيم المحلي في المملكة تتصدر المشهد الرياضي كأزمة مزمنة، إذ تتخبط الأروقة الإدارية في الاتحاد ولجانه دون إيجاد حل جذري يعيد الاستقرار إلى الملاعب ويحمي الحكام من الإجحاف.
يأتي هذا التحليل في وقت يشهد فيه التحكيم السعودي انتقادات متزايدة من الجماهير والإعلام، وسط مطالبات بإصلاح جذري.
لطالما بدت هذه الحلقة الأضعف في منظومة رياضية تتعرض لتشكيك متواصل في النزاهة، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: من المسؤول عن تدهور مكانة الحكم السعودي؟
هذا السؤال يقود إلى إخفاقات إدارية متعددة جعلت الحكم السعودي يتراجع إلى مرتبة متأخرة إقليمياً وقارياً وعالمياً، بعد أن كان حاضراً في المحافل الكبرى كالمونديال.
أخبارالسعودية
علاج بالوهم: حين تزيد الحلول المبتسرة الطين بلة!
لم يقف اتحاد كرة القدم السعودي مكتوف الأيدي أمام هذا التراجع، فهناك حراك مستمر، وتجارب تقفز هنا وهناك يُفترض أن تكون إصلاحية وتصحيحية. بيد أن المتابع الحصيف يرى بوضوح أن هذا الحراك جاء في غالبه بصور سلبية عمقت الجراح بدلاً من أن تداويها. لعل أبرز شواهد هذا التخبط هي تلك القرارات المتعلقة برفع رسوم استقطاب الحكام الأجانب؛ في محاولة قسرية وغير مدروسة لتقليص حضورهم، ومنح الحكم المحلي مساحة أكبر للظهور في جولات دوري روشن للمحترفين، وبطولة كأس خادم الحرمين الشريفين، فضلاً عن فرض تواجده في بطولة السوبر السعودي.
لكن هذه الإجراءات الشكلية لم تسعف الصافرة المحلية أبداً، بل على النقيض تماماً، زادت من أعبائها وضاعفت من حجم الضغوط الهائلة الملقاة على كاهلها، في ظل غياب بيئة خصبة وصحية للنجاح الحقيقي، مما جعل الحكم يبدو وكأنه يصارع الأمواج العاتية بلا مركب أو مجداف.
جذور الأزمة: ضعف إداري، بخس جهود، وانتقائية علنية
إن أهم أسباب إخفاق الحكم السعودي وتراجع مستوياته لا يمكن بحال من الأحوال اختزالها في هفوة فنية عابرة هنا، أو قرار تقديري متسرع هناك؛ بل تتجسد الجذور الحقيقية للأزمة وتتخندق في مفاصل رئيسية عدة.هشاشة الاتحاد وغياب المظلة: عجز اتحاد كرة القدم الواضح والفاضح أمام سطوة الأندية الجماهيرية والكبيرة، وتخليه المتكرر عن دوره الأصيل في حماية الحكام من أمواج الإساءات الجماهيرية العاتية والحملات الإعلامية الممنهجة التي تدار ليل نهار في الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي.
بخس الجهود وغياب التحفيز: الهوة الكبيرة بين حجم الضغوط النفسية والبدنية الهائلة الملقاة على كاهل الحكم، وبين الدعم المادي المقدم له.
تفتقر المكافآت الحالية للتناسب الحقيقي مع إمكانيات ومخاطر المهنة، فضلاً عن غياب إستراتيجية رفع تلك المكافآت وتحفيزها بشكل استثنائي ومجزٍ لمن يقدم مستويات مرضية وثابتة.انتقائية لجنة الحكام: الدور السلبي والمحبط للجنة الحكام التي وقعت في فخ الانتقائية في أحيان كثيرة؛ فتحلل حالات على مزاج الشارع الرياضي وضغوط الجماهير، وتتجاهل حالات أخرى بكل برود، مما أفقد الحكام الثقة في مرجعيتهم الفنية.
المخرج الآمن: نحو استقلالية تامة وقضاء رياضي حاسم
إن الهيمنة الحالية والتدخلات المستمرة وتدوير المناصب دون فكر مؤسسي يجعل من الإصلاح التجميلي جهداً لا أمل من ورائه. ولعل الحل الجذري والمنقذ الحقيقي للصافرة يكمن في خطوة جريئة وشجاعة تتمثل في فصل لجنة الحكام عن اتحاد كرة القدم تماماً، وتحويلها لتكون تحت مظلة اللجنة الأولمبية السعودية لتعمل كلجنة قضائية مستقلة بذاتها، بعيدة عن ضغوط الأندية وأهواء المدرجات.هذا الاستقلال المأمول يجب أن يترافق ويُتوج بـ إنشاء لجنة قانونية متخصصة وحازمة، تضع حداً فاصلاً وقانونياً صارماً لكل من تسول له نفسه المساس بشخوص الحكام والتشكيك في ذممهم وذمم أسرهم. إن حماية كرامة الحكم وسمعته هي الخطوة الأولى والأساسية لضمان بيئة عمل نقية، تعيد الاعتبار الكامل للصافرة السعودية، وتضعها مجدداً في مكانتها الطبيعية محلياً، وقارياً، وعالمياً.
تظهر هذه المشكلة أن إصلاح التحكيم يحتاج إلى رؤية شاملة لا تقتصر على تغيير الرسوم أو إجبار الحكام على الظهور. فغياب الحماية الإدارية والدعم المالي والمعنوي يضعف أداء الحكام. كما أن الانتقائية في تعامل لجنة الحكام مع الأخطاء تزيد من الإحباط. وعلى الاتحاد أن يعيد النظر في سياساته لاستعادة الثقة في التحكيم المحلي. إذ أن استمرار الوضع الحالي قد يهدد مصداقية المسابقات السعودية.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.