غزة/ رمزي محمود/ الأناضول

** الأسير المحرر حمادة البنا:

- كل ما تمنيته خلال اعتقالي بإسرائيل أن أطمئن أهلي بأنني ما زلت على قيد الحياة

- رأيت في السجن أصنافاً من التعذيب النفسي والجسدي تعجز الكلمات عن وصفها

** والد حمادة، ياسر البنا:

- أقمنا له بيت عزاء بعدما عجزنا عن العثور على أي أثر له

- حتى خطيبته باعت ذهبها بحثاً عن أي معلومة عنه

** والدة حمادة، وداد البنا:

- انتابني شعور غريب ليلة الإفراج عنه، ولم أنم حتى ساعات الفجر

- أغمي عليّ حين سمعت صوته ثم فقدت الوعي عندما احتضنته

بعد عام من اعتقاد عائلته أنه قُتل برصاص الجيش الإسرائيلي، عاد الشاب الفلسطيني حمادة البنا إلى منزله في بلدة جباليا بقطاع غزة، لتتحول مراسم العزاء التي أقامتها أسرته إلى فرحة استثنائية، بعدما تبين أنه كان معتقلًا في سجون إسرائيل طوال تلك الفترة.

داخل المنزل المتصدع من القصف الإسرائيلي، انهالت دموع الفرح، واحتضنت الأسرة ابنها الذي عاد دون سابق توقع، بعد أن فقدت الأمل في رؤيته مجددًا.

كانت العائلة تعتقد أن حمادة (23 عامًا) قُتل إلى جانب شقيقه أدهم برصاص الجيش الإسرائيلي، خلال توجههما للحصول على مساعدات غذائية في ذروة المجاعة التي ضربت قطاع غزة صيف العام 2025.

والاثنين، أطلقت السلطات الإسرائيلية سراح حمادة، برفقة 16 فلسطينيًا آخرين، ونقلتهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط القطاع، قبل أن يعود إلى أسرته في شمالي قطاع غزة.

لم تتمالك والدته وداد نفسها عندما سمعت صوته للمرة الأولى عبر الهاتف بعد الإفراج عنه، فأغمي عليها من هول المفاجأة، ثم تكرر المشهد بعد ساعات عندما احتضنت ابنها العائد.

مراسل الأناضول رصد لحظات استقبال العائلة لابنها، في قصة تجسد جانبًا من معاناة مئات الأسر الفلسطينية التي تجهل مصير أبنائها منذ بدء الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

** رحلة البحث عن لقمة العيش

يروي حمادة أن رحلته بدأت في أغسطس/ آب 2025، عندما توجه مع شقيقه أدهم إلى نقطة توزيع المساعدات في منطقة "زيكيم" شمالي القطاع، بفعل المجاعة التي دفعت آلاف الفلسطينيين للمخاطرة بحياتهم من أجل الحصول على الغذاء.

يقول للأناضول: "افترقت عن شقيقي وسط الزحام، وبعد أن حصلت بشق الأنفس على كيس طحين (دقيق)، أخبرني أحد الأشخاص أن أدهم استشهد، فعُدت للبحث عنه".

وخلال تلك الفترة، شهدت نقاط توزيع المساعدات حوادث إطلاق نار متكررة على تجمعات المدنيين المنتظرين للمساعدات، ما أسفر عن سقوط آلاف القتلى والجرحى.

وأثار ذلك اتهامات حقوقية لإسرائيل باستهداف طالبي الإغاثة وتحويل مراكز توزيع المساعدات إلى مناطق شديدة الخطورة.

وخلال عودته، أصيب حمادة في قصف إسرائيلي وفقد وعيه، قبل أن يستيقظ داخل مستشفى إسرائيلي، حيث خضع للعلاج عدة أشهر من إصابات في قدميه ويده وأجزاء أخرى من جسده.

وبعد انتهاء علاجه، نُقل إلى سجن "سديه تيمان" التابع للجيش الإسرائيلي، حيث أمضى قرابة عام دون أن يتمكن من التواصل مع أسرته أو الاستعانة بمحام، وفق روايته.

ويقول: "رأيت هناك أصنافًا من التعذيب النفسي والجسدي تعجز الكلمات عن وصفها، ثم نُقلت للحبس الانفرادي نحو شهرين ونصف، ولم أتمكن خلالهما من مقابلة أحد أو محام للاطلاع على أحوالي وطمأنة أهلي".

ويضيف البنا: "لم يعلم أهلي عني شيئًا طوال فترة اعتقالي، فاعتقدوا أنني استشهدت مع شقيقي، ولم تُوجه إلي أي تهمة، وكل ما كنت أتمناه أن أطمئنهم بأنني ما زلت على قيد الحياة".

ويصف أول اتصال أجراه بعائلته عقب إبلاغه بالإفراج عنه قائلا: "قلت لوالدي: نعم يا أبي.. أنا حمادة. لم يصدقني في البداية وأغلق الهاتف، ثم عاد ليتأكد من صوتي وانهمر باكيا".

ويشهد سجن "سدي تيمان" انتهاكات واسعة بحق الأسرى الفلسطينيين شملت الضرب الشديد والتقييد لفترات طويلة والإهمال الطبي، ما تسبب بحالات وفاة، بحسب تقارير صحفية وحقوقية فلسطينية وإسرائيلية.

و"سدي تيمان"، تعني باللغة العربية "حقل اليمن"، وهي قاعدة عسكرية إسرائيلية بصحراء النقب جنوبي إسرائيل، اشتهر المحققون فيها بالتنكيل الجسدي والجنسي بالأسرى الفلسطينيين من غزة حتى بات يُطلق عليها "غوانتنامو إسرائيل"، في إشارة إلى المعتقل الأمريكي سيئ السمعة.

** صدمة الأب ومساعٍ خائبة

يستذكر والده ياسر البنا لحظة تلقيه الاتصال ويقول للأناضول: "ظننت أن حمادة استشهد وأقمنا له بيت عزاء، بحثنا عنه في كل مكان، حتى لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن لم نجد أي معلومة عنه".

ويقول إن الأسرة لم تدخر جهدًا في البحث عنه، حتى أن خطيبته باعت مصاغها الذهبي للمساهمة في تكاليف توكيل محامٍ أملاً في الحصول على أي معلومات بشأنه.

ويضيف: "لكننا أُبلغنا بعدم وجود أي بيانات عنه ضمن قوائم الأسرى لدى الاحتلال، ما عزز اعتقادنا بأنه استشهد".

ويتابع البنا: "حتى الآن لا أكاد أصدق أنه يجلس أمامي، عام كامل من الانتظار انتهى بمكالمة هاتفية أعادت إلينا الحياة".

** أمل بعد القنوط

تقول والدته وداد: "حين سمعت صوته عبر الهاتف أغمي عليّ من شدة المفاجأة، ثم فقدت الوعي مرة أخرى عندما احتضنته بعد وصوله. أسأل الله أن يطمئن قلب كل أم لا تعرف مصير ابنها".

وتضيف: "كنت فاقدة الأمل في رؤية ابني مرة أخرى، لكن انتابني شعور غريب ليلة الإفراج عنه، ولم أستطع النوم حتى ساعات الفجر وأنا أدعو له، دون أن أعلم أنه ما زال حيًا".

وبينما تحاول الأسرة تعويض ما فقدته، تستعد لإقامة حفل زفاف حمادة إلى خطيبته التي تمسكت بانتظاره طوال عام كامل.

** جرح مفتوح

ولا تعد قصة حمادة حالة فردية، إذ يقول المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرًا إن مئات العائلات الفلسطينية تعتقد أن أبنائها قتلوا خلال الحرب، بينما هم محتجزون داخل السجون الإسرائيلية.

ويوضح المركز (غير حكومي) في بيان، الثلاثاء، أن قصة حمادة "تكشف جريمة إخفاء قسري ممنهجة ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في غزة، بما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني".

فيما تقول الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان إن إسرائيل تعتمد سياسة الإخفاء القسري عبر الاعتقالات الجماعية واحتجاز الفلسطينيين في مواقع سرية، غالبًا دون توجيه تهم أو السماح للمحامين والمؤسسات الحقوقية بزيارتهم.

وتذكر الهيئة، وهي مؤسسة حقوقية فلسطينية غير حكومية، في تقرير سابق لها، أنها تلقت نحو 1067 بلاغًا رسميًا حول حالات فقدان أو اختفاء قسري في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية أبريل 2025.

وتقول إن إسرائيل تتذرع بتعديلات على ما يُعرف بـ"قانون المقاتل غير الشرعي" لتبرير عمليات الاحتجاز المفتوحة، "ما أدى إلى تقنين الإخفاء القسري وحرمان المعتقلين من أي شكل من أشكال الحماية القانونية".

ويقبع في السجون الإسرائيلية نحو 9500 أسير فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، يعانون أوضاعًا قاسية تشمل التجويع والتعذيب والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة عشرات منهم، وفق تقارير حقوقية فلسطينية وإسرائيلية.