قالت طهران، الاثنين، إن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة بوساطة باكستانية «دخلت مرحلة الأزمة»، في أقوى إشارة رسمية حتى الآن إلى أن الاتفاق يواجه خطر الانهيار، مع تصاعد الضربات المتبادلة واحتدام النزاع حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، في حين تقترب مهلة الـ60 يوماً المنصوص عليها في المذكرة للتوصل إلى تسوية نهائية من منتصفها.

وجاء الموقف الإيراني بعدما شهدت الأيام الأخيرة أعنف تبادل للضربات منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل (نيسان)، الأمر الذي ألقى بظلال من الشك على مستقبل مذكرة التفاهم التي وُقّعت في 17 يونيو (حزيران) بوساطة قطرية وباكستانية، بهدف تثبيت وقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وبدء مفاوضات تستمر ستين يوماً قابلة للتمديد للتوصل إلى اتفاق دائم.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الولايات المتحدة تواصل «انتهاك» المذكرة و«تشويهها»، مؤكداً أن «البند الخامس» المتعلق بمضيق هرمز «لا يقبل التأويل»، وأن واشنطن لا تستطيع فرض تفسيرها الخاص له.

ولم يوضح بقائي ما إذا كانت طهران ما زالت تعتبر المذكرة سارية أو تعدّها منتهية، لكنه أكد أن استمرار التزام إيران بها مرهون بتنفيذ الولايات المتحدة تعهداتها.

وقال في مؤتمر صحافي: «في كل مرة يُحجم فيها الطرف الآخر عن الوفاء بالتزاماته، نحجم عن الوفاء بالتزاماتنا... وسنواصل العمل بهذه الطريقة».

في المقابل، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن الأسبوع الماضي أن اتفاق وقف إطلاق النار «انتهى»، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام مواصلة المفاوضات. وقال في مقابلة مع «رويترز»، الأحد، تعليقاً على الضربات الأميركية الأخيرة: «نحن نضربهم بشدة».

وكتب رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف على منصة «إكس» في وقت مبكر الأحد: «ولّى عهد الاتفاقات غير المتكافئة»، مضيفاً: «قلنا لكم: التزموا بكلمتكم أو ادفعوا الثمن... وها قد صار الواقع على الأبواب».

جدارية تصور طائرة إيرانية مسيّرة في أحد شوارع طهران الاثنين (رويترز)

خلاف على «البند الخامس»

يتمحور الخلاف الرئيسي حول تفسير «البند الخامس» المتعلق بمضيق هرمز. وتقول طهران إن هذا البند يمنحها دوراً في تنظيم حركة العبور وترتيبات الملاحة، في حين تصر واشنطن على أن المضيق ممر دولي مفتوح أمام جميع السفن، من دون رسوم أو ترتيبات أحادية.

وقال بقائي إن إيران تحاول التوصل إلى آلية مشتركة مع سلطنة عُمان بشأن إدارة الملاحة في المضيق، لكنه اتهم الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على مسقط تعرقل هذه الجهود.

وأضاف أن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأخيرة إلى سلطنة عُمان اقتصرت على مناقشة مضيق هرمز، ولم يكن مقرراً أن تتناول ملفات أخرى.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن محادثات عراقجي مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي ركزت على ترتيبات حركة العبور والشحن وضمان أمن الملاحة، وإن المشاورات ستستمر على المستويين السياسي والفني، لكن طهران لا تزال تصر على أن الوضع في المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، وتبحث فرض ما تصفها بـ«بدلات خدمات» على السفن العابرة، في حين ترفض واشنطن أي صيغة تمنح إيران سلطة منفردة على الممر.

وقالت القيادة المركزية الأميركية إن مضيق هرمز «مفتوح»، وإن إيران لا تسيطر عليه، في رد مباشر على إعلان «الحرس الثوري» إغلاقه حتى إشعار آخر.

قنوات الوساطة

وقالت إيران إنها تواصل المشاورات مع قطر وباكستان وعُمان بهدف «تجنب التصعيد» مع الولايات المتحدة، رغم أن بعض هذه الدول تعرض لهجمات إيرانية خلال الأيام الأخيرة.

وقال بقائي إن دور الوسطاء يتمثل في مواصلة الجهود لتجنب اتساع التوتر، مشيراً إلى أن طهران كانت على اتصال خلال الأيام الماضية مع قطر وعُمان وباكستان.

وكان وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار قد أجرى اتصالاً هاتفياً بعراقجي، دعا خلاله إلى خفض التصعيد وضبط النفس، مؤكداً أن الحوار والدبلوماسية يظلان السبيل الوحيدة لحل النزاعات وتحقيق الاستقرار.

وتؤدي باكستان وقطر دوراً محورياً في الوساطة منذ التوصل إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، في حين تواصل عُمان التحرك في ملف ترتيبات الملاحة عبر المضيق.

وقال مسؤول إقليمي مشارك في الوساطة إن الجهود الرامية إلى دعم وقف إطلاق النار استمرت رغم تبادل الهجمات، في حين واصلت مصر وقطر وباكستان اتصالاتها لمنع انهيار المسار.

أشخاص يسيرون قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران الاثنين (رويترز)

واتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة بانتهاك جميع بنود مذكرة التفاهم، والتسبب في «عودة انعدام الأمن» إلى مضيق هرمز.

وقال بقائي إن واشنطن أفشلت الجهود التي بدأت خلال الأشهر الأخيرة لإرساء السلام في المنطقة، وإن استمرار الضربات الأميركية يجعل التزام إيران بالمذكرة مشروطاً بالتزام متبادل.

وكتب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف على منصة «إكس»: «ولّى عهد الاتفاقات غير المتكافئة». وأضاف: «قلنا لكم: التزموا بكلمتكم أو ادفعوا الثمن. وها قد صار الواقع على الأبواب».

وأرفق قاليباف منشوره بصورة لفقرة من المذكرة تقول طهران إنها تؤكد حقها في تحديد ترتيبات العبور في المضيق.

وقال محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني، إن مضيق هرمز «أكثر أهمية» لإيران من «عشرات القنابل الذرية»، في تعبير عن مركزية الممر البحري في حسابات طهران التفاوضية والأمنية.

كما دعا كاظم غريب آبادي البرلمان إلى إقرار مشروع قانون يحدد مسبقاً رداً «حازماً ورادعاً» على أي محاولة تستهدف المرشد الإيراني، مؤكداً أن أي تحرك ضد إيران يجب ألا يبقى بلا رد.

من جهته، قال محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، إن مضيق هرمز يمثل «أُحد اليوم» بالنسبة إلى إيران، معتبراً أن قيمته الاستراتيجية ومصالحه الأمنية والاقتصادية «لا بديل عنها» للبلاد.

وأضاف أن إيران ستدافع عن المضيق حتى لا تضطر مستقبلاً إلى «دفع إتاوة للعدو» مقابل عبور سفنها، مؤكداً أن التراجع عن هذا الملف «لا مكان له في ذهن أي محب لإيران».

دعوات دولية

وحضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الولايات المتحدة وإيران على ممارسة «أقصى درجات ضبط النفس»، واستئناف المفاوضات بصورة عاجلة.

وقال المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بقلق بالغ إزاء التصعيد واستئناف المواجهات العسكرية في الخليج العربي، محذراً من أن العودة إلى أعمال عدائية واسعة النطاق ستكون لها «عواقب كارثية».

مقذوف يقترب من هدف بموقع غير معروف خلال ضربات قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنها استهدفت إيران... في لقطة مأخوذة من فيديو نُشر الأحد (رويترز)

وفي باريس، قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن العقوبات الأوروبية المفروضة على إيران لن تُرفع قبل تخلي طهران عن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، وأعمالها التي قال إنها تزعزع استقرار المنطقة.

وتزامنت هذه المواقف مع ارتفاع خام برنت بأكثر من 4 في المائة إلى نحو 79 دولاراً للبرميل، بعد تجدد المواجهة وإعلان إيران إغلاق المضيق.

وتبقى مذكرة تفاهم إسلام آباد قائمة من الناحية الشكلية، لكن طرفَيها يتبادلان الاتهامات بخرقها، في حين بات مستقبلها مرتبطاً بتفسير البند الخاص بمضيق هرمز، وبقدرة الوسطاء على إعادة واشنطن وطهران إلى مسار تفاوضي قبل انتهاء النصف الثاني من مهلة الستين يوماً.

اقرأ أيضاً

تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية عبر حسابها على «إكس» ضربات أميركية مزعومة على منشآت عسكرية إيرانية (أ.ف.ب)

واشنطن وطهران تتبادلان أعنف الضربات منذ هدنة أبريل

فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار