كيف خدع وهم تآكل الردع الأميركي طهران؟
ملخص
في تحليل جديد للتصعيد بين واشنطن وطهران، يرى المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي أن الانسحاب الأميركي من المواجهة المباشرة لم يكن يعني فقدان كل أدوات الضغط، بل تحولاً من الردع العسكري إلى استراتيجية الاحتواء بالعقوبات والرقابة المالية، مشيراً إلى أن هذا النهج أقل حدة لكنه أكثر استدامة مع تشديد المراقبة على تدفق الأموال، وفق ما أظهرته التطورات.
ويأتي هذا التحليل في سياق توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران منذ انسحاب أميركا من الاتفاق النووي عام 2018.
ربما كان الخطأ الإستراتيجي الأكبر لطهران في الحرب الحالية هو سوء تقدير دوافع واشنطن من توقيع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل. فبينما كانت مراكز الأبحاث الغربية تناقش تآكل الردع الأميركي بفعل اضطراب إدارة الصراعات الإقليمية، حولت إيران هذا النقاش إلى قناعة بأن الولايات المتحدة فقدت إرادتها وقدرتها على استخدام القوة بسبب ضغوط داخلية وانتخابات، فاعتبرت المذكرة تثبيتاً لمعادلة جديدة في الخليج وانتصاراً دبلوماسياً، بينما نظرت إليها واشنطن كأداة لإدارة التصعيد لا اعترافاً بوقائع إستراتيجية.
إدارة التصعيد والقوة
يأتي ذلك في حين يلاحظ المتابعون فرقاً كبيراً بين اهتزاز صورة الردع وبين تراجع أدوات القوة نفسها، فما إن قررت واشنطن الانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض الكلفة، حتى وجدت إيران نفسها مرة أخرى في مواجهة الترسانة الأميركية، لتتحول مذكرة التفاهم التي روجت لها باعتبارها نصراً سياسياً إلى عنوان لسوء تفاهم إستراتيجي مع القوة التي ظنت أن ردعها قد تآكل.
وقد حذر معهد جونز هوبكنز في تحليل منهجي للردع الأميركي من أن سوء تقدير سلوك الخصم يؤدي إلى قرارات خاطئة، مؤكداً أن تصورات الخصم وليس المعايير الموضوعية هي التي تحدد نجاح الردع أو فشله، وهو ما تجسد لاحقاً في الفجوة الإدراكية بين الطرفين.
صحيح أن دراسات إسرائيلية وغربية رصدت انخفاض كلفة استهداف المصالح الأميركية والخليجية، مقارنة بما كانت عليه الحال في السابق، وأن معهد "جونز هوبكنز" دعا واشنطن إلى "التوقف عن رد الفعل على المعضلات التي يفرضها الخصوم، والتركيز بدلاً من ذلك على فرض معضلات تصعيدية عليهم"، إلا أن أياً من هذه الدراسات لم يخلص إلى أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على فرض كلفة رادعة عندما تقرر ذلك.
هذا التحول الأميركي لم يأت من فراغ، بل سبقه تاريخ قريب من التوترات الحادة والعميقة مع الحلفاء التقليديين في أوروبا وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقبل اندلاع المواجهة الأخيرة، اتسمت السياسة الخارجية لواشنطن بنزعة أحادية مفرطة، إذ مارست ضغوطاً شديدة على العواصم الأوروبية واتهمتها بالاستفادة المجانية من المظلة الأمنية الأميركية.
وفي هذا السياق، أشار "مجلس العلاقات الخارجية الأميركي" في تحليل معمق له إلى أن "التفرد وازدراء الحلفاء أدى إلى تآكل غير مسبوق في جدار الثقة بين ضفتي الأطلسي، مما دفع القوى الأوروبية إلى البحث الجدي عن استقلال إستراتيجي ودفاعي بعيداً من العباءة الأميركية".
![]()
مقاتلتان أميركيتان تنطلقان من حاملة طائرات "يو إس إس أبراهام لينكون" (رويترز)
هذا الشرخ العميق استغلته الأطراف المناوئة لواشنطن لتعزيز نفوذها، مستفيدة من غياب التنسيق الغربي الموحد، ومع اندلاع شرارة الحرب الأخيرة في المنطقة، اصطدمت هذه الأحادية الأميركية بجدار من الحقائق المعقدة على الأرض، ولا سيما بعد الاندفاع الإسرائيلي غير المحسوب نحو التصعيد الشامل، ورفع سقف التوقعات العسكرية إلى مستويات عجزت واشنطن عن مجاراتها، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تدمر الاقتصاد العالمي، ووفقاً لتقديرات معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، فإن "واشنطن وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، إذ أثبت الاندفاع الإسرائيلي حدود القوة الأميركية المنفردة، وأجبر الإدارة على فرملة التصعيد والنزول عند شروط التهدئة الدبلوماسية، عبر توقيع مذكرة تفاهم موقتة مع طهران، مما عكس تراجعاً صريحاً عن مفهوم الردع الخشن".
لكن هذا التواضع ليس بلا معنى في تقدير محلل سياسي مخضرم مثل توماس فريدمان، يعرف أزمات الشرق الأوسط والتعامل الأميركي معها، فمع إقراره بأن الفوضى التي خلّفها ترمب في المنطقة حتى كسنجر، سيكون من الصعب عليه ترميمها، فضلاً عمن سماهم مجموعة من النشطاء والعقاريين الهواة، لكنه على رغم ذلك أكد أن في جعبة البيت الأبيض مزيداً مما قد يخلق المتاعب لإيران، لولا أنه مقيد بالانتخابات النصفية، لدرجة أنه اتهم ترمب بـ "خيانة إسرائيل ودول الخليج لمصلحة الولايات المتأرجحة، ميشيغان وبنسلفانيا وجورجيا"، حين أوقف الحصار ضد إيران في المضيق، مرجحاً أن ترمب أدرك أنه إذا استمرت أسعار البنزين وأسعار المواد الغذائية في الارتفاع، كما كانت عليه منذ بداية الحرب، فسيكون هناك احتمال كبير جداً أن يخسر تلك الولايات.
الانكفاء الأميركي وإعادة تعريف الردع
في قراءة تحليلية لتجدد التصعيد بين واشنطن وطهران، يرى المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي أن تراجع واشنطن عن التصعيد في حينه كان واضحاً، ولا يعني بالضرورة فقدان آخر أوراق الضغط، لكنه يشير إلى "انتقال من ردع عسكري مباشر إلى احتواء عبر العقوبات والضبط المالي والاشتراطات التنفيذية"، موضحاً أن "هذا النمط أقل صدمة من القوة العسكرية، لكنه أكثر قابلية للاستمرار إذا ترافق مع رقابة صارمة على تدفقات الأموال واستخدامها"، كما أظهرت التطورات.
وأضاف العقيلي في قراءته للمشهد الإقليمي والدولي أن "الخطوات الأميركية الأخيرة بالتراجع عن الردع الخشن ناتجة في الأصل من دوافع السياسات الداخلية والوقوع تحت ضغوطها، وهو نتيجة طبيعية لحدود سياسات 'أميركا أولاً' عندما تتصادم مع تحديات خارجية معقدة"، وهذه الرؤية تلتقي مع ما طرحه معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، الذي نشر تقييماً أكد فيه أن "الإدارة الأميركية باتت تدرك حدود قدرتها على خوض حروب استنزاف عسكرية جديدة في بيئة دولية متعددة الأقطاب، مما دفعها إلى استبدال البوارج العسكرية بلغة الضغوط المالية الصارمة والمقصلة المصرفية كأداة ردع بديلة"، ورأى أن هذا التراجع قد يدفع واشنطن إلى التخلي التدرجي عن دور الشرطي الأوحد في المنطقة، ومحاولة إشراك القوى الدولية والإقليمية في تحمل كلفة الاستقرار الأمني، مما يفرض واقعاً جديداً يتأرجح بين التهدئة الهشة وإعادة ترتيب أوراق النفوذ.
الخليج يطور الحلول الذاتية
هذا التبدل في السلوك الأميركي يترك ارتدادات مباشرة ومتباينة على أمن منطقة الخليج العربي، فاتحاً الباب أمام سيناريوهات تتأرجح بين الإيجابية والسلبية، فمن جهة قد يشكل هذا التراجع حافزاً إيجابياً يدفع دول المنطقة نحو تعزيز الحلول الذاتية والدبلوماسية الوقائية المباشرة لتصفير الأزمات مع الجار الإيراني، وبناء شبكة مصالح اقتصادية مشتركة تحمي الاستقرار الإقليمي، غير أن هذا المسار ينطوي في الوقت ذاته على أبعاد سلبية ترتبط بمدى جدية الطرف الآخر، وجدوى الرهان على الالتزامات الاقتصادية في غياب القوة الحامية، وحول هذه المعضلة الأمنية يؤكد العقيلي أن "الرهان الخليجي على بناء مصالح اقتصادية مشتركة مع إيران يمكن أن يكون أداة لتخفيف التوتر، لكنه يبقى هشاً إذا لم يسند بضمانات أمنية واضحة وإدراك متبادل للخطوط الحمر"، وبناء على ذلك يشير العقيلي إلى أن "هذا التوجه يمثل نوعاً من إدارة الأخطار أكثر منه تسوية أمنية مستدامة، لأن الاقتصاد وحده لا يكبح السلوك العسكري للخصم أو نشاطات وكلائه، إذا لم يكن تحت غطاء من الردع المتوازن".
اقرأ المزيد- إيران في مهمة "مستحيلة" لاستعادة ثقة الخليج
- الخليج يترقب "اختبار النيات" في مضيق هرمز
- "الحرب المغرية"... كيف استشرفت السعودية فخها المحكم؟
وفي المقابل، يرى "مجلس العلاقات الخارجية الأميركي" أن "وقوف واشنطن على جدية التهديد الإيراني الفعلي لقنوات التجارة الدولية وطاقة العالم بعد الحرب الأخيرة، لن يدفعها للانسحاب، بل سيعيد صياغة شروط الاستثمار في أمن المنطقة"، وتوقع المجلس في دراسته ألا يعود هذا الاستثمار عبر القواعد العسكرية التقليدية الضخمة، بل من خلال "بناء شراكات أمنية ذكية، وتكامل منظومات الدفاع الجوي والبحري، وتشديد الرقابة على شبكات التهريب، مما يعني مصلحة أميركية مشروطة، ومرتبطة بحماية التدفقات الحيوية للاقتصاد العالمي، بدلاً من خوض حروب بالنيابة عن الحلفاء".
كبح التمويل ومستقبل التسوية الهشة
يبقى الهاجس الأكبر الذي يؤرق القوى الإقليمية والدولية هو كيفية ضمان عدم استغلال طهران لأية انفراجة مالية، أو سيولة ناتجة من التفاهمات الأخيرة، في إعادة إنتاج نفوذها العسكري وتمويل أذرعها في المنطقة، وهنا يضع العقيلي محددات صارمة لأي تحرك دولي في هذا الاتجاه، مشدداً على أن "الحد من تحويل أية مكاسب مالية إيرانية إلى تمويل عسكري للوكلاء يتطلب رقابة على مسارات الإفراج عن الأموال، وتقييد الاستخدام، وربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات قابلة للقياس"، موضحاً أن "استهداف شبكات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري ووكلائه ومراقبتها بشدة يظل أداة مركزية، لتقليص الأثر العسكري لأي انفراج مالي على العنف في المنطقة والعالم".
ولا يختلف المهتمون على أن بنود مذكرة التفاهم الحالية بين واشنطن وطهران تبدو أقرب إلى مسكّن موقت للألم الإقليمي منها إلى علاج جذري للأزمة المعقدة، ولا أدل على ذلك من موجات التصعيد والرد عليها التي أعقبتها، في محاولة كل طرف تثبيت البنود التي تخصه بلغة النار وفرق الأمر الواقع.
![]()
قاذفة "بي 2 سبيريت" (رويترز)
ولهذا تشير "وول ستريت جورنال" إلى خطورة الموقف الذي باتت المنطقة فيه، بعد أن اعتقدت إيران أنها انتصرت في معركة هرمز، قبل أن تفاجئها سلطنة عُمان بفتح الممر المقابل لها، طبقاً للقانون الدولي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، لافتة إلى أن "أبرز نقاط القوة في مذكرة التفاهم التي أبرمها الرئيس ترمب مع إيران، هي أنها فتحت مضيق هرمز في الأقل، والآن يحاول النظام الإيراني نقض هذه البنود باستخدام القوة ضد السفن التجارية ودول الخليج والقواعد الأميركية، وكل هذا يعد انتهاكاً للاتفاق، ويثير تساؤلات حول سبب توقيع السيد ترمب عليه".
المذكرة المبهمة
يلخص سليمان العقيلي مآلات هذه المرحلة بالقول إن "مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية في صيغتها الحالية لا تبدو تسوية نهائية بقدر ما هي إطار تهدئة مشروط يخفف أخطار الانفجار، لكنه لا يحسم أصل المشكلة النووية والأمنية الإقليمية"، مضيفاً أن "قدرة هذه التفاهمات على ضبط سلوك إيران ستتوقف على آليات التنفيذ والرقابة والعقوبات الثانوية، لا على النص السياسي وحده"، ومؤكداً أن "المذكرة لا تعالج جذور أزمة البرنامج النووي ولا الصواريخ الباليستية ولا دور إيران الإقليمي، بل تؤجلها ضمن مسار تفاوضي أطول، ولذلك فهي قد تنتج استقراراً نسبياً قصير الأجل، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى ترتيبات ردع وتسوية دائمة ما لم تترجم إلى التزامات قابلة للتحقق والعقاب عند الإخلال، فالاتفاق الحالي يخفف حرارة الإقليم، لكنه لا ينهي أسباب الاشتعال، ويمنح الأطراف وقتاً لا حلاً نهائياً".
وفي هذا السياق، يبرز الموقف الخليجي الذي وإن رحب بالمذكرة، لكنه في لقاء وزراء خارجيته أخيراً في المنامة مع وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو، شدد على رفضه عدداً من أسس المذكرة المبهمة التي تحاول طهران استغلالها لفرض تفسير يعزز هيمنتها، وهو ما كان الرفض الخليجي له قاطعاً، فتمسكت الدول بعودة حرية الملاحة في المضيق لما كانت عليه قبل الحرب، وأن تحقيق السلام والأمن يتطلب التصدي لتهديدات إيران، وترسيخ الشراكة مع أميركا، على عكس ما تسوق له طهران من أن الاتفاقات الأجنبية لا تجلب الاستقرار، وهو ما حاولت هجماتها على جاراتها ترسيخه، بينما رأت الدول الخليجية أن ترسانتها الدفاعية بتصديها لنحو 98 في المئة من الهجمات الإيرانية أظهرت أهمية إستراتيجيتها الدفاعية، في حين تعتبر إيران سيطرتها على مضيق هرمز ورقة ضغط حاسمة في محادثات السلام مع الولايات المتحدة، ويبدو أنها مستعدة للمخاطرة بأي شيء للحفاظ عليها، بما في ذلك وقف إطلاق النار.
وتشير هذه الفجوة الإدراكية إلى أن أي اتفاق مستقبلي قد يكون هشاً ما لم يُبنَ على فهم مشترك لمعادلة الردع. كما أن تراجع الثقة بين الحلفاء الغربيين يعقّد قدرة واشنطن على بناء جبهة موحدة ضد طهران، مما يمنح طهران مساحة للمناورة.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.