قيادات بالجنوب الليبي تتحرك سياسياً لكسر «التهميش»
كثفت قيادات سياسية واجتماعية بإقليم فزان جنوب ليبيا تحركاتها خلال الأيام الأخيرة في محاولة لتعزيز حضور الإقليم بأي ترتيبات سياسية مقبلة
شهد إقليم فزان في جنوب ليبيا حراكاً متصاعداً لقيادات سياسية واجتماعية خلال الأيام الأخيرة، بهدف ضمان حضور أقوى للإقليم في أي تسوية سياسية مستقبلية، في ظل مخاوف متزايدة من استمرار ما يوصف بـ«تهميش الجنوب الليبي» في المبادرات المحلية والدولية الرامية لإنهاء الانقسام السياسي، وفي الخدمات التنموية والمعيشية الأساسية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتركز فيه الجهود الدولية والمحلية على إيجاد مخرج للأزمة السياسية الليبية المستمرة منذ سنوات.

يأتي هذا التحريك في ظل تصاعد النقاشات حول مبادرات دولية لتغيير السلطة في ليبيا، مما حفز مكونات سياسية في فزان على التحرك لتأكيد أن أي تسوية غير قابلة للديمومة دون تمثيل متوازن للأقاليم الثلاثة، وإعطاء الجنوب دوراً في صنع القرار السياسي.

وفي هذا السياق، عقد وفد من التجمع السياسي الوطني لفزان، الثلاثاء، لقاءين منفصلين مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني خوري، وعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، ضمن سلسلة من المشاورات، التي يجريها التجمع منذ الإعلان عن تأسيسه في يونيو (حزيران) الماضي.
تمحور لقاء خوري حول مستقبل العملية السياسية وتوصيات الحوار السياسي المهيكل الذي ترعاه البعثة الأممية، فضلاً عن ضرورة إشراك كل المناطق الليبية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة. وعرض وفد التجمع أولويات إقليم فزان في ملفات الحوكمة والتنمية والاستقرار، مشدداً على أهمية تمثيل الجنوب بفاعلية في أي تسوية سياسية مرتقبة.
وأوضحت بعثة الأمم المتحدة أن ممثلي فزان شددوا خلال اللقاء على الدور التاريخي للإقليم في بناء الدولة الليبية ومؤسساتها، وأعربوا عن دعمهم للمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بوصفه الإطار الأنسب للتوصل إلى حل سلمي للأزمة. وفي المقابل، أكدت خوري التزام البعثة بإجراء مشاورات واسعة مع مختلف المكونات الليبية، بما يضمن التوصل إلى حل سياسي «ليبي القيادة والملكية»، يراعي خصوصية إقليم فزان وتاريخه وموقعه الجغرافي.
وفي لقاء منفصل مع عضو المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، تصدر ملف الشراكة الوطنية جدول الأعمال، حيث ناقش الطرفان أهمية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة، وتحافظ على وحدة البلاد واستقرارها. كما برز توافق على أن نجاح أي مسار سياسي يرتبط بتمثيل عادل للأقاليم الليبية، وضمان حضور الجنوب في مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، بما يحقق قدراً أكبر من التوازن في توزيع السلطة والتنمية.
ويعد هذا الحراك امتداداً لسلسلة لقاءات أجراها التجمع منذ تأسيسه مع عدد من المسؤولين في غرب ليبيا، من بينهم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث طرح خلال تلك الاجتماعات رؤية تدعو إلى «شراكة عادلة» لفزان في القرار السياسي والتنموي، وتمثيل أبناء الجنوب في رئاسة المؤسسات السيادية والتنفيذية، بوصف الإقليم شريكاً رئيسياً في أي ترتيبات مستقبلية.
ومنذ وقت مبكر ذهب البيان التأسيسي للتجمع إلى نفي أي توجهات انفصالية أو جهوية لمشروعه، مركزاً على أنه ينطلق من التمسك بوحدة ليبيا وسيادتها، مع السعي إلى معالجة ما وصفه بـ«الاختلالات التنموية والسياسية التاريخية»، التي عانى منها الجنوب لعقود، عبر الحوار الوطني والعمل السلمي، وتقديم مبادرات تدعم الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.
غير أن هذه التحركات لم تحظ بإجماع داخل فزان، حيث أبدى رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان، إبراهيم أبو بكر نصر، تحفظه على المسار الذي يتبعه التجمع، عادّاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أي مبادرة سياسية لا تنطلق من توافق واسع بين مكونات الإقليم، ولا تستند إلى مؤسساته الاجتماعية والرسمية، «ستظل محدودة التأثير».
كما رأى نصر أن المجلس الرئاسي «لا يملك الأدوات التنفيذية الكافية لتحويل مثل هذه التفاهمات إلى قرارات عملية، وهو ما يجعل نتائجها السياسية محل شك».

ويتزامن هذا الحراك مع استمرار الجدل حول المبادرة المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، التي تتحدث عن صيغة جديدة لتقاسم السلطة في ليبيا، تتضمن إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر، مقابل تولي رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة رئاسة حكومة موحدة.
وسبق أن أعلن «التجمع السياسي الوطني لفزان» رفضه للمبادرة، كما رفض أي مبادرات خارجية لا تراعي مشاركة جميع الأطراف الليبية في صياغة الحل، داعياً إلى بلورة موقف وطني موحد لتقييم المبادرات الدولية وتطويرها، بما يخدم استقرار البلاد، ومشدداً على أن أي تسوية سياسية لن تحقق أهدافها إذا استمرت في تجاهل إقليم فزان، الذي يرى أنه يمثل ركناً أساسياً في معادلة الأمن والاستقرار ووحدة الدولة الليبية.
وتعكس هذه المشاورات تعقيد المشهد السياسي الليبي، حيث تتصارع الأقاليم على نفوذ متساوٍ في أي ترتيبات مستقبلية. ويرى مراقبون أن نجاح أي مبادرة يعتمد على قدرتها على معالجة جذور التوتر وضمان مشاركة جميع الأطراف، خاصة الجنوب المهمش تاريخياً. ومن المتوقع أن تستمر النقاشات خلال الفترة المقبلة مع قرب الإعلان عن مبادرات دولية جديدة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.