مواسم الاحتيال - إيمان حمود الشمري
مثلما لكل شيء موسم يزدهر فيه، فإن للاحتيال أيضًا مواسمه التي يتخفّى فيها بأقنعة تناسب احتياجات الناس وظروفهم. فرمضان والأعياد وموسم الحج والأضاحي، وبداية الإجازة والسفر، كلها مواسم تنعش حركة الاحتيال المالي الذي يأتي متنكراً على هيئة اتصالات ورسائل تحمل عروضاً مغرية، مستغلاً تلك اللحظات التي يكون فيها تفكيرك أقل يقظة، وقراراتك أكثر استعجالًا، ليجد فرصته في خداعك، وقد يكون القاسم المشترك في كل تلك المواسم أنها تخلق سبباً منطقياً متوقعاً يجعل الضحية لا يستغرب الرسالة، وهذا بالضبط ما يبحث عنه المحتال.
إذا كنت تعتقد أن ضحايا الاحتيال المالي هم قليلو الخبرة أو محدودو المعرفة بالتقنية، فأنت مخطئ لأن الواقع يروي قصصاً مختلفة تماماً!! فكم من مستثمر خسر ملايينه في عملية احتيال محكمة، وكم من موظف بنك يعرف تفاصيل الأنظمة المصرفية وقع ضحية مكالمة هاتفية أو رابط مزيف، وكم من خبير مالي قضى سنوات بين الأرقام والتقارير ثم وجد نفسه ضحية لوهم صُمم بعناية!! فمثلما أن هناك بعض المحتالين يعملون بطريقة عشوائية، يرسلون آلاف الرسائل ويجرون مئات الاتصالات، ثم ينتظرون من يرد بسرعة، وهؤلاء لا يبحثون عن ضحية مثالية بقدر ما يبحثون عن ضحية سريعة، ولكن في المقابل هناك نوع آخر أكثر دهاءً، لا يعتمد على العشوائية وحدها، بل على جمع المعلومات، وهؤلاء لا يراقبون الشخص بالمعنى السينمائي للكلمة، ولا يتبعونه في الشارع غالباً، بل يتتبعون أثره الرقمي، منشورات على وسائل التواصل، بيانات مسربة، أسماء شركات، مناصب وظيفية، سفر معلن، علاقات عائلية، وحتى الاهتمامات المالية التي يتركها الإنسان خلفه دون أن ينتبه، وقد تكون تلك منظومة إجرامية عابرة للحدود، تضم عصابات دولية تتبادل فيما بينها المعلومات والأساليب والتقنيات، وتدير عملياتها غالباً من خارج حدود الدولة المستهدفة، لذا من الممكن أن يكون أي شخص معرض للاحتيال الذي يتم خلال ثوان معدودة ما لم تسعفه سرعة بديهيته بالتصرف، فهو في عصرنا لم يعد معركة بين القراصنة والأنظمة، بل أصبح معركة بين الصبر والاستعجال، وبين التفكير وردة الفعل.
تشير تقديرات الإنتربول إلى أن حجم الاحتيال المالي عالمياً يتجاوز 440 مليار دولار سنوياً، وقد يتجاوز هذا الرقم حاجز التريليون دولار في الواقع، إذ يمتنع كثير من الضحايا عن الإبلاغ خجلاً أو إحراجاً!! وعلى المستوى المحلي، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات لافتة في مواجهة هذه الظاهرة، أبرزها قرار مجلس الوزراء إنشاء غرفة عمليات مشتركة تجمع الجهات المالية والرقابية والقضائية تحت مظلة واحدة، بما يتيح حجز الأموال المشبوهة وتحجيم الحوالات في أقل من ساعة من لحظة الإبلاغ، هذه السرعة في الاستجابة عامل حاسم، لأن سرعة استرداد الأموال تُقاس غالباً بالساعات لا الأيام، كما تحتل المملكة المرتبة الأولى عالمياً في مؤشرات الأمن السيبراني، وتمتلك بنية رقمية متقدمة... لكن المفارقة أن حجم الاقتصاد الكبير وارتفاع دخل الفرد فيها يجعلان المجتمع هدفاً جذاباً باستمرار للشبكات الإجرامية الخارجية، ما يستدعي وعياً فردياً موازياً للجهود المؤسسية.
ضع في اعتبارك مهما تطورت أدوات المكافحة المؤسسية والتقنية، تبقى اللحظة الحاسمة في مواجهة الاحتيال المالي هي تلك اللحظة الفردية، حين يرن الهاتف، أو تصل رسالة تحمل رابطاً، لذا أنت أول حاجز أمني يتصدى لعملية الاحتيال المالي التي غالباً تبدأ بعبارات تستدعي إرباكك لاتخاذ قرار سريع، فعندما تعرف فخ عبارات على شاكلة «العرض سينتهي خلال دقائق»، أو «حسابك سيتعرض للإيقاف فوراً» وتدرك أهمية أن تبقى هادئاً عندما يحاول أحدهم أن يجعلك خائفاً أو مستعجلاً، في تلك الثواني القليلة بين الخوف والقرار، ينجو البعض ويقع حتى كبار المستثمرين.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.