إيران توسع رقعة الصراع: تهديدات للكويت وإغلاق باب المندب
النظام الإيراني يشرع في تنفيذ تهديداته بتوسيع الحرب عبر فتح جبهتين جديدتين: الأولى في باب المندب عبر الحوثيين، والثانية عبر تهديدات غير مسبوقة للكويت.
على الصعيد الميداني، بدأ النظام الإيراني تنفيذ جزء من تهديداته بتوسيع نطاق النزاع عبر فتح جبهتين جديدتين: الأولى في جنوب البحر الأحمر بتهديد إغلاق مضيق باب المندب بواسطة الحوثيين، والثانية في شمال الخليج العربي عبر تهديدات مباشرة وغير مسبوقة ضد الكويت.
وتأتي هذه التحركات الإيرانية في ظل تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد أهداف إيرانية في المنطقة.
إنَّ خطورةَ هذا التَّحوُّلِ لا تقتصر على الكويت أو البحر الأحمر، بل تمتدُّ إلى مجملِ منظومة الأمن الإقليمي. فإيرانُ لم تعدْ تحصر المواجهةَ في أطرافها الأصليَّة، أي مع الولايات المتحدةِ وإسرائيل، وإنَّما باتت تنقلُ الصّراع إلى دولِ الجوار والممراتِ الاستراتيجية. وهذا السُّلوك لا يمثّلُ ردَّ فعلٍ دفاعيّاً بقدرِ ما يعكسُ اتّجاهاً استراتيجياً ظلَّ المشروعُ العسكريُّ الإيرانيُّ يَبنيهِ منذ عقود، وهو قائم على توسيعِ النفوذ والسيطرةِ الجيوسياسية على الدّول المحيطة.
تستحق التهديدات الصادرة عن المؤسسات الإيرانية الاهتمام، إذ زادت حدتها ضد الكويت. وأصدرت وكالة تسنيم بيانات تشبه تلك التي سبقت الغزو العراقي للكويت عام 1990، متذرعة بالوجود العسكري الأمريكي المحدود في الكويت كمبرر للهجوم، متجاهلة أن هذا الوجود يعود لعقود ويؤدي وظيفة ردعية.
السؤالُ المطروحُ اليومَ: كيف للكويت، ومعها دولُ الخليج، التَّعاملُ مع هذا التَّهديد؟
التَّحدّي يتجاوز القدراتِ الوطنية المنفردة، ويستدعي العودةَ إلى مفهوم العملِ الجماعي، عبرَ بناءِ جبهةٍ إقليميةٍ متماسكة، مدعومةٍ بتحالفٍ دولي يرفض بصورةٍ واضحة أيَّ ذرائعَ لتوسيعِ الحربِ أو شرعنةِ الاعتداء على الدول المجاورة. وقد لا يكون متوقعاً من واشنطن، في ظلّ انشغالها بإدارة المواجهة العسكرية، أن تقودَ المبادرةَ الدبلوماسية، إلا أنَّ بإمكانها رسمَ خطوطٍ حمراء واضحة تؤكد أنَّ أمنَ الخليج وممراتِه البحرية يدخل ضمن مصالِحها الاستراتيجيةِ العليا. فإيران لم تكتفِ بالتَّهديد اللفظي للكويت، بل كرَّرت قصفَها لمنشآت المياه والكهرباء، ووسَّعت دائرة التَّهديد لتشملَ البحرين أيضاً.
تدرك طهران أن تشديد الحصار البحري على موانئها واتساع العمليات الأمريكية على سواحلها قد يفقدانها نفوذها على مضيق هرمز، وهو أهم أوراق الضغط لديها. لذلك تسعى لإنتاج أوراق بديلة، منها تحويل باب المندب إلى نقطة ابتزاز استراتيجية عبر الحوثيين، وفرض واقع أمني جديد في شمال الخليج.
ويُلاحظ أنَّ السلوكَ الإيرانيَّ بات يتكرَّرُ، إذ إنَّه كلَّما خسرت ورقةً استراتيجية، سارعت إلى فتحِ جبهة جديدة لإعادةِ إنتاج أدواتِ الضغط والابتزاز. ولتقليلِ التكلفةِ السّياسية والقانونية، ولتجنُّبِ الظّهور كدولةٍ معتديةٍ بصورة مباشرة، يُرجَّحُ أن تعتمدَ بصورة أكبر على وكلائِها الإقليميين، مثل الميليشيات اليمنية والعراقية.
ما احتمالاتُ نجاحِ هذا التَّموضع الإيرانيّ الجديد؟
الإجابةُ ليست سهلة، لأنَّ تحليلَ السلوك الإيراني لا يمكن أن يستندَ فقط إلى افتراضات العقلانية التقليدية. فالقيادةُ الإيرانيةُ تواجه أيضاً معادلاتٍ داخليةً معقدة، وتخشَى أن يؤدّيَ أيُّ انطباعٍ بالهزيمة إلى اهتزاز وضعها داخلياً، بعد أن أنفقت لعقودٍ مواردَ البلاد في بناءِ القدراتِ العسكرية وتمويلِ الحروب.
ويبدو أنَّ الحوثيين في اليمن أوكلت إليهم مهمة تحويل «باب المندب» إلى البديل العملياتي لمضيق هرمز مع تراجعِ قدرة إيرانَ على استخدام الأخير كورقةِ ضغط، بفعلِ الهجمات العسكرية الأميركية. ومع اندفاعِ الحوثيين فعلاً نحو تهديد الملاحة، فمن المرجَّح أن تجدَ القوى اليمنية، ومعها التحالفُ بقيادة المملكة العربية السعودية، مساندةً إقليميةً ودولية لمنع تعطيل أحدِ أهمّ شرايين التجارة العالمية.
ولا يقتصر الردُّ المتوقَّعُ على البعد العسكري، بل قد يكون المجالُ الدبلوماسي أكثرَ اتّساعاً في هذه الجبهة تحديداً. فالدولُ الكبرى المعتمدةُ على الملاحة في البحر الأحمر، وفي مقدمتها الصينُ والهند، إضافة إلى الدول الأوروبية، تمتلك مصلحةً مباشرةً في ضمانِ حرية الملاحة. ومن ثمّ فإنَّ أيَّ تحركٍ عسكري يستهدف إنهاءَ تهديد الحوثيين للممر البحري، قد يحظى بإجماعٍ دوليّ أوسع، لأنَّه سيكون دفاعاً عن مبدأ حرية الملاحةِ الدولية، وليس امتداداً للحرب الدائرة في الخليج.
وفي جميعِ الأحوال، فإنَّ بناءَ هذا التَّكتل الإقليمي والدولي لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبحَ ضرورة استراتيجية، ليس فقط لمواجهة التهديدات الراهنة، وإنَّما أيضاً للتعامل مع أي ترتيبات قد تفرضها مخرجاتُ الحربِ مستقبلاً. فإيران لا تسعى إلى إدارة أزمة مؤقتة فحسب، بل تحاولُ إعادةَ رسمِ الخريطة الاستراتيجية للمنطقة وفق سرديَّتِها الجديدة، بحيث تخرج من الحربِ حتى لو توقفت مبكراً بمناطقِ نفوذٍ وقواعدِ اشتباك مختلفةٍ عن التي كانت قائمةً قبل الحرب. ومن هنا، فالنّقاش لم يعد يدورُ حول كيفية إنهاءِ الحرب فحسب، بل حولَ شكلِ النّظام الإقليمي الذي سيتشكَّلُ تالياً.
نقلاً عن الشرق الأوسط
مادة إعلانية
مادة إعلانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
يمثل هذا التوسع الإيراني تهديداً خطيراً لأمن الخليج والممرات البحرية الدولية. فإيران لم تعد تحصر المواجهة في أطرافها الأصلية، بل تنقل الصراع إلى دول الجوار. ويذكرنا سلوكها بسياسة فرض الأمر الواقع التي اتبعها نظام صدام حسين قبل غزو الكويت عام 1990. تواجه دول الخليج تحدياً يتطلب تنسيقاً أمنياً ودبلوماسياً مشتركاً، مع دعم دولي واضح لردع أي اعتداء. ويظل السؤال حول مدى نجاح إيران في استخدام وكلائها الإقليميين مثل الحوثيين لتعويض تراجع نفوذها في هرمز.
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.