بعد انتقادات إيرانية حادة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إثر زيارته الأخيرة إلى واشنطن، وفي خضم تصعيد إقليمي غير مسبوق، كشف المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، عبر مقابلة مع برنامج 'ستوديو وان مع فضيلة' على قناة 'سكاي نيوز عربية'، عن أسباب التقارب مع واشنطن وخلفيته.

وتأتي هذه التصريحات في إطار إعادة العراق تقييم علاقاته الإقليمية والدولية في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة.

واستهل العبودي حديثه بالتأكيد أن اختيار رئيس الوزراء علي الزيدي واشنطن كأولى محطات جولاته الخارجية منذ تشكيل الحكومة، لم يكن اعتباطيا، بل جاء انعكاسا لحساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة على المستوى الجيوسياسي، وتعبيرا عن قراءة عراقية واعية لمسار الأحداث المتسارعة إقليميا ودوليا.

وأوضح أن العراق، أسوة بدول المنطقة والعالم، أعاد ترتيب حساباته بما يضمن تأمين مصالحه الاقتصادية، متجها إلى الولايات المتحدة بوصفها شريكا استراتيجيا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العلاقات الثنائية.

وأشار العبودي بدقة إلى طبيعة التحول في العلاقة الثنائية، مؤكداً أن الجانبين أعادا تعريف هذه الشراكة لتفتح 'مرحلة جديدة وفصلا جديدا'، بعد أن كانت العلاقة طوال العقدين الماضيين قائمة على الجانب الأمني.

وبحسب العبودي تستند العلاقة بين واشنطن وبغداد على المحور الاقتصادي، فالاقتصاد هو "المحرك" و"الرافعة" التي تضمن استدامة واستقرار الشراكة بين البلدين مستقبلا، انطلاقا من مصالح مشتركة.

هرمز يُربك الحسابات.. بغداد تبحث عن ممرات بديلة

لم يُخفِ العبودي القلق العراقي إزاء ما وصفه بـ"المأزق" الذي بات يمثله مضيق هرمز للاقتصاد الوطني، بعدما كان لعقود الممر الأساسي لصادرات النفط العراقية ومصدر إيراداته السيادية الرئيسية.

ولفت إلى أن هذا الواقع الجديد يفرض على بغداد، بشكل طبيعي وعاجل، البحث عن ممرات جديدة لضمان استمرارية تدفق الإيرادات، مما يجعل أزمة المضيق في قلب الحسابات الاقتصادية التي دفعت العراق إلى توسيع شراكاته الدولية وتنويع مسارات التصدير بعيداً عن نقطة الاختناق الجيوسياسي الحالية.

أخبار ذات صلة

بين طهران وأنقرة.. عراق يوازن ولا يصطف

وفي سياق حديثه عن موقع العلاقات الإقليمية من هذا التوجه نحو واشنطن، شدد العبودي على أن العراق يستند إلى "علاقات متوازنة" مع دول الجوار والإقليم بشكل عام، ويتبنى في الوقت ذاته تعزيز علاقاته مع القوى المؤثرة دوليا، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

وذكّر العبودي بأن العراق يرتبط بحدود مباشرة مع ست دول، من بينها إيران وتركيا، وهو ما يفسر، بحسب حديثه، الزيارتين المرتقبتين لرئيس الوزراء الزيدي إلى طهران وأنقرة.

وكشف العبودي أن زيارة الزيدي إلى طهران ستكون، نهاية الأسبوع الجاري، وتحديدا يوم الخميس المقبل، على أن يتصدر جدول أعمالها ملف خصوصية العلاقات الثنائية والتبادل التجاري، إضافة إلى الجوانب المرتبطة بالمشهد الإقليمي الذي "يلقي بعدم الاستقرار منذ أشهر بسبب الحرب الدائرة".

وأكد العبودي أن أهمية زيارة طهران تكمن في كون العراق "شريكا فاعلا وموثوقا" على مستوى عدم التدخل في شؤون الدول، وأنه "لا يسمح باستهداف أي دولة من خلال أراضيه".

وتابع قائلا أن حكومة الزيدي ستكون في طهران يوم الخميس المقبل بحثا عن مزيد من الأجواء الداعمة لاستقرار المنطقة، إلى جانب ما يخدم المصالح العراقية والمصالح المشتركة مع الجانبين.

وفي محور استضافة بغداد لشخصيات دولية، أوضح العبودي أن الحكومة العراقية لا تُخفي، في حال طُرح هذا النوع من الاستضافات، أنها ترى في العاصمة العراقية طاولة إيجابية لإعطاء زخم داعم لاستمرار التهدئة وتحقيق تفاهمات بين بغداد وطهران.

وشدد على أن العراق، إذا طُلب منه ذلك، سيكون على أتم الاستعداد لتقديم ما يقع على عاتقه، باعتباره جزءا من جغرافية غير مستقرة يتأثر اقتصاده بدوره بهذه الحرب وعدم وضوح نهاياتها، مؤكدا أن الحكومة العراقية "لن تُخفي شيئا في هذا الملف".

وتعكس تصريحات الحكومة العراقية تحولاً استراتيجياً نحو تعزيز الشراكة الاقتصادية مع واشنطن، مما قد يغير طبيعة العلاقة بعد عقدين من التركيز الأمني. كما أن القلق من مضيق هرمز يدفع بغداد للبحث عن بدائل تصديرية، وهو ما يفسر جزئياً التقارب مع الولايات المتحدة. غير أن العراق يظل حريصاً على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جيرانه إيران وتركيا، مما يطرح تساؤلات حول قدرته على المناورة بين هذه القوى المتنافسة.