رام الله/ قيس أبو سمرة/ الأناضول

- يوسف مزاهر أحد سكان القرية: المستوطنون أقاموا بؤرا استيطانية في التلال المحيطة بأراضي جلجليا ومنذ ذلك الوقت بدأت الاعتداءات تتصاعد

- وحيد يوسف من سكان القرية: رغم حياتهم في الخارج، لا يفكر أبناء القرية في التخلي عن أرضهم وأتمنى من كل فلسطيني مغترب أن يعود لأرضه وبيته

- غازي بكري الرئيس السابق لمجلس قروي جلجليا: نحو 90 بالمئة من أبناء القرية يحملون الجنسية الأمريكية أو البرازيلية إلى جانب الفلسطينية

في قرية جلجليا شمالي مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، تبدو الصورة مختلفة عن كثير من القرى الفلسطينية، فالمنازل الحجرية الفخمة المنتشرة على سفوح البلدة، وحدائقها الواسعة، توحي للزائر بقرية عامرة بالحياة، لكن خلف الأبواب المغلقة حكاية أخرى.

فغالبية تلك المنازل لا يسكنها أحد معظم أيام السنة، إذ يعيش أصحابها في الولايات المتحدة الأمريكية أو البرازيل، ويحمل معظمهم، إلى جانب الجنسية الفلسطينية، جنسية البلد الذي هاجروا إليه، فيما يعودون إلى قريتهم خلال العطل الصيفية أو الشتوية فقط.

اعتداءات المستوطنين

هذا الهدوء تبدد خلال الأشهر الأخيرة، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين التي طالت منازل القرية ومزارعها ومواشيها، لتتحول الجنسية الأجنبية لكثير من سكانها إلى مجرد وثيقة لم توفر لهم الحماية، بينما وجدوا أنفسهم أمام خيار واحد؛ العودة إلى أرضهم والدفاع عنها.

ويقول الناشط غازي بكري، الرئيس السابق لمجلس قروي جلجليا، للأناضول إن عدد سكان البلدة يبلغ نحو أربعة آلاف نسمة، بينما لا يقيم فيها بصورة دائمة سوى نحو 700 مواطن.

ويضيف أن نحو 90 بالمئة من أبناء البلدة يحملون، إلى جانب الجنسية الفلسطينية، الجنسية الأمريكية أو البرازيلية، نتيجة موجات هجرة بدأت منذ أواخر العهد العثماني، وتوسعت بعد نكبة عام 1948، ثم بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967.

ويشير بكري إلى أن المهاجرين الأوائل تمكنوا من الحصول على الجنسية الأمريكية، قبل أن تتوسع الهجرة عبر لمّ الشمل العائلي، لتتحول، مع مرور الزمن، إلى ظاهرة اجتماعية، مع احتفاظ معظم أبناء البلدة بعلاقتهم الوثيقة بأرضهم، وبنائهم منازل كبيرة يعودون إليها في الإجازات.

ويضيف أن غالبية تلك المنازل بقيت خالية معظم أيام السنة، ولا يزورها أصحابها إلا لفترات قصيرة، الأمر الذي جعلها هدفا متكررا لاعتداءات المستوطنين.

يريدوننا أن نهاجر

أحد سكان القرية، ويدعى يوسف مزاهر، يقول للأناضول إنه اشترى قطعة أرض وبنى منزله قبل نحو عام، لكنه وجد نفسه منذ انتقاله للعيش فيه في مواجهة مباشرة مع المستوطنين الإسرائيليين.

ويضيف مزاهر أن المستوطنين "أقاموا بؤرا استيطانية في التلال المحيطة بأراضي جلجليا وسنجل والمزرعة الشرقية، ومنذ ذلك الوقت بدأت الاعتداءات تتصاعد، وتشمل إحراق الممتلكات، وإطلاق النار، وسرقة الأغنام، في محاولة لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم".

ويشير إلى أن "نحو 70 بالمئة من منازل القرية لا يسكنها أصحابها، لأنهم يقيمون في الولايات المتحدة، فيما لا يتجاوز عدد السكان المقيمين بصورة دائمة 500 إلى 700 شخص".

ويتابع مزاهر أن المستوطنين "يرعون أغنامهم بمحاذاة منزله بشكل متكرر، ويعتدون على ممتلكاته"، مشيرا إلى أن "كل ما نتعب عليه يحاولون تخريبه حتى نترك أرضنا ونهاجر".

ويروي مزاهر حادثة اعتقال اثنين من أبنائه، أحدهما يبلغ 13 عاما، بعد أن ألقيا الحجارة باتجاه أغنام المستوطنين التي دخلت أرض العائلة، موضحا أن الشرطة الإسرائيلية "اعتقلتهما، ثم فرضت عليهما الإقامة الجبرية وغرامة مالية مع وقف التنفيذ".

ويضيف أن منزله "كان من أوائل المنازل التي تعرضت للاستهداف، إذ أحرق المستوطنون أجزاء منه، وأطلقوا الرصاص باتجاهه، كما سرقوا أدوات ومعدات زراعية، وكسروا كاميرات المراقبة، ورغم تقديم شكاوى للشرطة الإسرائيلية فإنها لم تفضِ إلى أي نتائج".

وعود غير مجدية

بدوره، يقول وحيد يوسف، وهو أحد أبناء القرية ويحمل الجنسية الأمريكية، إن "ما يتعرض له الأهالي من قبل المستوطنين لا يمت إلى الإنسانية بصلة"، مشيرا إلى أن "الجنسية الأمريكية لم تحم أصحاب المنازل من اعتداءات المستوطنين".

ويضيف للأناضول أن المستوطنين "يكسرون ويسرقون ويخربون كل ما يقع أمامهم، وليس لديهم أي نوع من الإنسانية"، معتبرا أن الهدف من هذه الاعتداءات هو "دفع الفلسطينيين إلى الرحيل".

ويشير يوسف إلى أنه "تواصل مع السفارة الأمريكية ومسؤولين في الولايات المتحدة، وحصل على مواعيد ووعود، لكن لم يتغير شيء على أرض الواقع".

ويؤكد أن أبناء القرية، رغم حياتهم في الخارج، لا يفكرون في التخلي عن أرضهم، قائلا: "أتمنى من كل فلسطيني مغترب أن يعود ويهتم بأرضه وبيته".

ويضيف يوسف أن منزله، الذي يمثل ثمرة سنوات طويلة من العمل، "أصبح مهددا بشكل يومي، وأنه لا يستطيع تركه عدة أيام خوفا من تعرضه للتخريب أو السرقة"، لافتا إلى أن المستوطنين "اعتدوا حتى على العمال الذين كانوا يعملون فيه".

ويتابع: "حتى لو تعرضنا لمئة اعتداء، فلن نتخلى عن أرضنا. هذه أرض آبائنا وأجدادنا، ولو كان الثمن حياتنا وحياة أبنائنا".

تصعيد إسرائيلي

وتأتي اعتداءات المستوطنين على جلجليا ضمن تصعيد إسرائيلي تشهده قرى الضفة الغربية، ويشمل إحراق منازل ومركبات وأراض زراعية، والاعتداء على الفلسطينيين، خاصة في المناطق المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية.

وبحسب تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في 6 يوليو/ تموز الجاري، ارتكب المستوطنون خلال النصف الأول من العام الجاري 3488 اعتداء، شملت مهاجمة قرى فلسطينية، وإحراق منازل، وإطلاق النار، والسيطرة على أراض، وإقامة بؤر استيطانية، ما أسفر عن مقتل 17 فلسطينيا.

ويقيم نحو 750 ألف مستوطن في 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بينهم 250 ألفا في القدس الشرقية، فيما تتهم السلطات الفلسطينية ومنظمات حقوقية المستوطنين بتنفيذ اعتداءات يومية تستهدف تهجير الفلسطينيين قسرا والاستيلاء على مزيد من الأراضي.

ويأتي ذلك بينما تشهد الضفة الغربية تصاعدا في اعتداءات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أسفر، وفق معطيات فلسطينية رسمية، عن مقتل 1179 فلسطينيا وإصابة 12 ألفا و666 آخرين، إضافة إلى اعتقال نحو 24 ألف فلسطيني.