لا يفتأ إيلون ماسك يثير الجدل بتصريحاته الجريئة، إذ توقع مؤخراً أن تكتسب شركته «سبيس إكس» قيمة سوقية تتجاوز «بقية الأرض» حال بلوغها غاياتها الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك وفقاً لما أورده تيم أورايلي، مؤسس أورايلي ميديا، في قراءته لنفوذ ماسك الجيوسياسي المتنامي في قطاع الفضاء. ومع كونه أول ترليونير في العالم، بات ماسك يتمتع بسطوة تضاهي نفوذ الدول، لا سيما مع سيطرته المطلقة على خدمات الاتصال والإنترنت في مناطق بالغة الحساسية لا تصلها سوى شبكة «ستارلينك»، مما يطرح تساؤلات وجودية حول تداعيات هذا التركيز الهائل للقوة في يد فرد واحد.

تُعد السيطرة على مدار الأرض المنخفض وبنية الاتصالات التحتية ركيزة أساسية في التنافس الجيوسياسي بين القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين.

خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ذكرت رويترز أن ماسك قطع الإنترنت عن الجنود الأوكرانيين، الذي فسَّره البعض على أنه قلق ماسك من تصاعد الحرب إلى صراع نووي، فقرر قطع الخدمة في الميدان لسحب القوات. ماسك نفى الأمر، لكن ساد خوف واسع آنذاك من قدرة شخص واحد على التأثير بمصير صراع دولي كبير. عندها صرح وزير الخارجية البولندي، بأن ستارلينك خطيرة، وعلينا التخلّص من اعتمادنا عليها تحسبًا لوقوع حوادث مماثلة مستقبلًا؛ فردَّ عليه ماسك بتغريدة: «اصمت أيها الرجل الصغير»؛ مما أثار قلقاً أوربياً ونقاشاً حول حاجتهم لأقمار صناعية خاصة بهم في مدار أرضي منخفض (مجلة فورين بوليسي).

يشير الخبراء إلى أن ماسك يتبنى نهجاً يتجاوز أطر «الرأسمالية المؤسسية» التقليدية المفتوحة للمساءلة، مستعيضاً عنها بنمط إداري يتقاطع مع سلطة الحكام الإقطاعيين وتأثير الذكاء الاصطناعي. لقد تحول المليارديرات، في رؤية أورايلي (مجلة الإيكونوميست)، من مجرد أقطاب أعمال يديرون عجلة الإنتاج إلى «قادة» يوظفون ثرواتهم للتدخل المباشر في السياسات العامة، وتوجيه المسارات التقنية وفق أهواء شخصية، معتمدين على المركزية المطلقة ودعم الدولة لتجاوز العقبات الرقابية.

كوين سلوبوديان، المؤرِّخ بجامعة بوسطن ومؤلف كتب عن الرأسمالية، ومشارك بتأليف كتاب صدر مؤخرًا «الماسكية: دليل للمتحيرين» (Muskism: A Guide for the Perplexed)، يقول في مقابلة: «تتألف سبيس إكس من ثلاثة قطاعات رئيسية أهمها قطاع الاتصالات، ستارلينك، بنحو 10,000 قمر صناعي تدور في مدار أرضي منخفض، تُمثِّل حوالي 70 % من الأقمار الصناعية بالمدار، وتُوفر إنترنت عريض النطاق بزمن استجابة سريع..» (فورين بوليسي).

على النقيض من حقبة العولمة التي اتسمت بوجود فصل نظري بين المصالح الاقتصادية والقرارات السياسية تحت مظلة المعاهدات الدولية، يرى سلوبوديان أن المشهد قد تبدل جذرياً. فقد تمكن ماسك من احتكار سوق إطلاق الأقمار الصناعية عبر خفض التكاليف وتبني نموذج التكامل الرأسي، مما منحه أرجحية تفوق ما كان يُعتقد في السابق أنه مستحيل تحقيقه.

هل هذا يعني أن السياسيين مُلزمون بالتقرب من ماسك لاحتكاره سوق إطلاق الأقمار الصناعية، أم أن العكس صحيح؟ يرى سلوبوديان أنه سينفرهم، يقول: «هذا ما يحدث في الاتحاد الأوروبي حاليًا.. قد أثار نفورًا كافيًا لدى الناس لتسريع وتيرة الابتعاد عنه، حتى مع تزايد أهميته العالمية». ويضيف سلوبوديان بأن دول البريكس أكثر المعارضين جدية؛ فجنوب إفريقيا لم تسمح بدخول أجهزة استقبال ستارلينك إلى أراضيها؛ والهند، رغم كونها من أكبر مستخدمي منصة إكس، لم تسمح بذلك أيضاً. ولا ننسى أن البرازيل استولت على أصول ستارلينك بعد رفض ماسك مراقبة المحتوى التحريضي على منصة إكس، والذي كان يدعو إلى انقلاب هناك.

لذا، ينبغي التفكير في وضع ضوابط وشكل من الرقابة، على شركة مثل سبيس إكس كما يقترح الخبراء. ويخلص سلوبوديان إلى القول: «لن تتحسن الأمور حتى نُنوّع أسس الاقتصاد السياسي الأمريكي.. مثل التكنولوجيا الحيوية، والتعليم العالي، وقطاع التصنيع الأخضر الذي حظي بدعم كبير من الرئيس السابق جو بايدن. إذا عدنا إلى هذه الجوانب، فسنتمكن من التحرر من قبضة وادي السيليكون الخانقة.»

يؤكد الخبراء على ضرورة صياغة أطر تنظيمية تضبط نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة لحماية السيادة الوطنية. يبقى التحدي قائماً في كيفية الموازنة بين الحاجة للابتكار التقني الذي تقوده الشركات الخاصة وبين ضمان عدم تغول القطاع الخاص على القرار السياسي والسيادة الأمنية للدول.