شمال أفريقيا في مرمى ارتدادات الحرب المفتوحة بالساحل
ملخص
باتت منطقة الساحل الأفريقي تصنف في الأعوام الأخيرة على أنها بؤرة حقيقية للتنظيمات الإرهابية حيث يستعيد "القاعدة" ترتيب أموره من بوابة جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد آغ غالي، فيما يواصل تنظيم "داعش" لملمة صفوفه هناك.
أعاد إعلان السلطات المغربية عن تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم "داعش" – ولاية الساحل الأفريقي، تسليط الضوء على التحديات الأمنية التي تواجهها منطقة شمال أفريقيا في ظل التحولات المتسارعة غرباً حيث تتعرض مالي وبوركينا فاسو والنيجر لهزات كبيرة تقودها جماعات متمردة ومتشددة امتلكت جرأة غير مألوفة خلال الأيام الماضية في شن هجماتها.
محلياً، لم يقرأ الإعلان على أنه مجرد حادثة أمنية معزولة بل على أنه مؤشر قوي على سعي الجماعات المتشددة إلى توسيع دائرة نشاطها خارج معاقلها التقليدية في النيجر ومالي وبوركينا فاسو على رغم أن السلطات المغربية كشفت أنها تمكنت من شن حملات دهم شملت سبع مدن جرى خلالها توقيف 10 عناصر متطرفة.
لكن هذا التطور أيقظ هواجس في دول مثل مصر وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا من دفع فاتورة الفوضى التي تعرفها دول الساحل الأفريقي لا سيما أن الجماعات المسلحة تمكنت من تحقيق مكاسب أهمها الوصول إلى قيادات بارزة في حكومة مالي مثل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الذي قُتل على يد مسلحي جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي.
منطقة هشة
وتنبع المخاوف المغاربية من الطبيعة الجغرافية للمنطقة حيث يرتبط شمال أفريقيا بالساحل عبر آلاف الكيلومترات من الحدود الصحراوية الممتدة مع مالي والنيجر وتشاد، وهي مناطق تصعب مراقبتها بصورة كاملة بسبب وعورة التضاريس واتساعها.
وعلى رغم نجاحها في تعزيز قدراتها العسكرية خلال الأعوام الماضية، لا تزال الهواجس قائمة في دول شمال أفريقيا من تمدد الفوضى إليها. فالجزائر والمغرب رفعتا من موازنتهما العسكرية بصورة كبيرة، وتونس أبرمت صفقات لاقتناء معدات عسكرية من الولايات المتحدة وغير ذلك.
![]()
توسع "القاعدة" و"داعش" في الساحل الأفريقي يثير توجس متزايد شمال القارة (رويترز)
وعد الباحث الأمني المتخصص في الشؤون المغاربية محمد أكضيض، أن "إعلان المغرب لافت في الواقع حيث تملك البلاد خبرة واسعة في محاربة الإرهاب والجماعات المتطرفة، لكن المنطقة بأسرها هشة للجماعات الإرهابية".
وقال أكضيض في حديث إلى "اندبندنت عربية" إن "وضع مالي في محاربة الإرهاب صعب وبين المد والجزر بين بعض القوى والتيارات السياسية والعسكرية مما يجعل الجماعات الإرهابية تحاول اكتساح بعض المساحات الخارجية لفرض موقعها، لذا فإن خطر الإرهاب والجماعات المتشددة يظل دائماً يهدد دول المنطقة".
وشدد على أن "الحل يكمن في التعاون المشترك لدول المنطقة المغاربية بصورة صادقة وتسخير رؤى سياسية وأمنية موحدة في مواجهة هذه الجماعات الإرهابية من أجل تفادي أي انزلاقات".
إمكانية ورادة جداً
باتت منطقة الساحل الأفريقي تصنف في الأعوام الأخيرة على أنها بؤرة حقيقية للتنظيمات الإرهابية حيث يستعيد "القاعدة" ترتيب أموره من بوابة جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد آغ غالي، فيما يواصل تنظيم "داعش" لملمة صفوفه هناك.
وإثر الضربات القاصمة في سوريا والعراق وغيرهما، انتقل ثقل التنظيمات الإرهابية إلى غرب أفريقيا الذي يشهد اضطرابات سياسية وأمنية مزمنة.
وتعتقد الباحثة في الشؤون الأفريقية هبة البشبيشي أن الأزمة في منطقة الغرب الأفريقي احتدمت بصورة كبيرة جداً خصوصاً في ظل المواجهات الروسية مع التنظيمات المسلحة في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو على رغم تركز الأزمة في باماكو مع مقتل وزير الدفاع وتصاعد الهجمات لذا أصبح لا بد من مواجهة هذه الجماعات التي أصبحت تضرب عمق النظام.
![]()
التطور الأخير أيقظ هواجس مصر وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا من دفع فاتورة فوضى الساحل الأفريقي (رويترز)
وأكدت البشبيشي في تصريح خاص أن "دول غرب أفريقيا عندما شهدت انقلابات عسكرية لم تقم بمعالجة سياسية للوضع، وهناك تعاون بين المتمردين والتنظيمات المتشددة مثل ’داعش‘ و’القاعدة‘ مع المتمردين الأزواد مما زاد عبئاً على القوات الحكومية في مالي وحلفائها الروس"، مشيرة إلى أن "الغموض يكتنف إمكانية انتقال التوترات إلى دول الجوار".
واستدركت بالقول "لكن من الواضح أن هناك دعماً إقليمياً ودولياً للجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي، وهناك مخاوف مشروعة في مصر وبعض الدول في شمال القارة من تمدد الفوضى وإمكانية انتقال المسلحين المتشددين إلى دول الجوار لا سيما ليبيا التي تعد الحد الفاصل مع غرب القارة وليبيا حدودها هشة للغاية".
وبينت البشبيشي أن "خيارات دول الجوار تكمن في عقد مؤتمر دولي برعاية الاتحاد الأفريقي لأنه لا يمكن لكل دولة أن تواجه بمفردها التهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة التي تنشط في الساحل الأفريقي، وفي اعتقادي يجب التأسيس لتعاون أمني برعاية مؤسسية وجماعية مشتركة لاتخاذ قرارات تحت مظلة أفريقية".
اقرأ المزيد- لماذا نقل "القاعدة" هجماته من الأطراف إلى عواصم الساحل الأفريقي؟
- هل تعيد فرنسا رسم أمن الساحل الأفريقي عبر الجنوب الليبي؟
- تدفق السلاح إلى الساحل الأفريقي يعيد رسم خرائط الفوضى
- الدراجات النارية في الساحل الأفريقي "إرهابية" الصوت والأثر
وحذرت من أن "إمكانية نقل التنظيمات المسلحة لعملياتها إلى شمال أفريقيا واردة جداً وهي تعمل أصلاً الآن على ذلك، وتملك قدرات عسكرية واسعة تمكنها من ذلك من خلال الذئاب المنفردة".
وضع مثير للقلق
ولا تقتصر مخاوف شمال أفريقيا على إمكانية تسلل متطرفين إلى الإقليم من غرب القارّة بل أيضاً من ارتدادات الحرب حيث أعلنت الجزائر خلال أبريل (نيسان) عام 2025 إسقاط طائرة مسيرة تتبع الجيش المالي بعد "اختراقها للأجواء الجزائرية" وذلك وسط توتر مع المجلس العسكري الحاكم في باماكو بسبب خياراته في مواجهة الجماعات المسلحة.
وعلى رغم استعانتها بدعم من دول مثل روسيا وتركيا تجد دول الساحل الأفريقي نفسها اليوم عاجزة عن وقف زحف الجماعات المسلحة التي سيطرت على مناطق واسعة في بوركينا فاسو ومالي.
ونبه الباحث السياسي والأمني النيجري محمد أوال إلى أن الوضع مثير للقلق في الساحل الأفريقي وعلى الدول المغاربية أن تكون على "أهبة الاستعداد" لأي تطور، موضحاً أن "حادثة سقوط الطائرة المالية في الجزائر وتفكيك المغرب خلية تتبع ’داعش‘ في الساحل الأفريقي يدقان ناقوس الخطر في شأن مستقبل المنطقة لا سيما أن الساحل يرتبط مع الدول المغاربية في حدود شاسعة تصعب السيطرة عليها بالكامل مما أدى خلال الأعوام الماضية إلى تدفق آلاف من المهاجرين غير النظاميين إلى المنطقة وإمكانية تسلل عناصر متشددة ومطلوبة مع هؤلاء تبقى واردة".
واستنتج أن "الحل يكمن في تنسيق مثمر بين دول الساحل والشمال الأفريقي لتجنب أي عواقب وخيمة للصراعات الدائرة في غرب القارة".
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.