أثارت حادثة جلد امرأة ليبية علناً أمام المارة في مدينة سبها الواقعة جنوب غربي البلاد نقاشات مجتمعية واسعة، مما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية النظام القضائي في دولة تعاني من انقسام سياسي، ولمن تُوجّه أحكامه بالتحديد.

تأتي هذه الحادثة في وقت تمر فيه المنظومة القضائية والأمنية في البلاد بتحديات معقدة فرضتها سنوات من الصراع والانقسام المؤسسي.

وتسببت عقوبة جلد ليبية 100 جلدة تنفيذاً لحكم أصدرته محكمة جنايات سبها علناً، في حالة من الاستياء الشعبي؛ نظراً لأن قانون إقامة حد الزنا رقم 70 لسنة 1973 لم ينص على ضرورة العلانية في تنفيذ الجلد، مما أثار تساؤلات حول عدالة التطبيق على كافة الأطراف بما في ذلك قادة التشكيلات المسلحة.

جانب من الملتقى الأول بين المجلس الأعلى للقضاء وجهاز الشرطة القضائية في شرق ليبيا في 7 يوليو الحالي (الشرطة القضائية)

تطبيق الحدود دون تمييز

جانب من هذه الرؤية طرحها هشام سالم الحاراتي، الباحث القانوني الليبي، الذي أشاد بـ«كل جهد يبذل في سبيل إنفاذ القانون وإقامة العدل»، لكنه قال: «نحن في حاجة ماسة إلى تطبيق الحدود دون انتقائية؛ إذ لا يجوز أن نقف عند باب واحد ونغلق الباقي».

وانطلق الحاراتي من أن «الليبي الذي أنهكته الأزمات، وانقطعت عنه الكهرباء، وضاقت به المعيشة، وتآكل دخله، لا يريد أن يرى الحدود تستدعى في ملف، وتغيب في ملفات أكبر وأخطر».

وهنا، لم يمانع الحاراتي في تطبيق الحدود، لكنه دعا إلى تطبيقها بـ«عدل واتساق وليس بانتقائية...ولنكن أول المطالبين بمحاسبة من نهب المال العام، وأفسد المؤسسات، وأضاع المليارات، واعتدى على حقوق ملايين الليبيين».

وانتقد الحاراتي واقعة الجلد، موضحاً أن «الشريعة ليست حدوداً ترفع عند الحاجة، بل منظومة عدل كاملة، تبدأ بإقامة الحق، وحماية الأموال، وصون الحقوق، ومحاربة الفساد، ثم يأتي الحد في موضعه، بعد أن تستقيم الدولة ويقام العدل على الجميع بلا استثناء»، رافضاً أن «يؤخذ الضعيف وحده، ويترك أصحاب النفوذ والمال والإفساد... هذه ليست العدالة التي أمر الله بها، ولا التطبيق الذي ينتظره الليبيون».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وأخضع العديد من كبار المسؤولين في ليبيا وقادة ميليشيات بارزين للتحقيق من قبل النائب العام في قضايا فساد، واعتداء على المال العام، لكن أُطلق سراحهم بعد فترات من التوقيف دون أحكام بالسجن.

«أحكام انتقائية»

وقد قوبل حكم المحكمة التابعة لسلطات بنغازي بحالة من الدهشة والاستنكار بين الحقوقيين والنشطاء والمواطنين، بوصفها المرة الأولى التي تُنفذ فيها هذه العقوبة علناً منذ دحْر تنظيم داعش عام 2016، وسط تساؤلات عن مصير الطرف الآخر في القضية وغياب أحكام مماثلة بحق ناهبي المال العام.

ويستند النظام القانوني في ليبيا إلى الشريعة الإسلامية، والقانون المدني، وقد وُضع أساسه التشريعي بصدور دستور المملكة الليبية لسنة 1951 في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1951، وإصدار القانون المدني الليبي في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1953، الذي بدأ العمل به في أوائل عام 1954.

ودفاعاً عن القانون الليبي، قال المحامي أحمد نشاد، إن «نصوصه تطبق على الجميع بلا استثناءات»، مشيراً إلى أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقانون؛ ولا تخالف نصوص القانون المدني أحكامها».

وذهب نشاد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «واقعة جلد امرأة سبها صحيحة في أصلها، لأن القانون الذي طبقت أحكامه هو أحد قوانين الحدود المتعلقة بالزنا»، ورأى أنه «لا يطبق حد الجلد إلا بعد إقرار المتهم بفعله أمام القاضي، وإصراره على ما قام به».

وعقب ساعات من انشغال الرأي العام بالواقعة، أعلن جهاز الشرطة القضائية مساء الخميس، إيقاف كافة المسؤولين المباشرين عن واقعة تصوير ونشر مقطع الفيديو الذي وثق تنفيذ الحكم في قضية حد الزنا، وإحالتهم إلى التحقيق، مع تشكيل لجنة تحقيق عليا للوقوف على ملابسات الواقعة.

وهنا يرى نشاد أن «الإثارة والجدل اللذين أعقبا الواقعة ليسا في قضية الجلد ذاتها، لكن في طرح الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي»، وانتهى متسائلاً: «هل يعتبر هذا الفعل من قبيل التشهير بالفاعل، أم هو من قبيل الإشهاد على تنفيذ الحد الشرعي ليكون فيه عبرة للغير؟».

حديث المحامي نشاد، الذي انتصر لجهة تطبيق القانون الليبي على الجميع، تعارض مع أحاديث نشطاء وحقوقيين أشاروا إلى أن مثل هذه الأحكام «تطبق على الضعفاء»، وتساءلوا عن «أسباب عدم قطع يد السارق».

ووفق تقارير محلية وأممية، يتغول الفساد في جل المؤسسات الليبية، رغم أن البيانات تشير إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة 173 من 180 دولة عام 2024.

من جانبه، تساءل الكاتب الليبي المقيم في أميركا، علي جماعة علي: «لماذا تجلد امرأة ضعيفة، ولا تقطع يد رجل سارق، على كثرة السراق في بلادنا وقلة الزانيات بالمقارنة؟»، وأجاب: «إن ادعاء تطبيق الشريعة في عصر الدولة الوطنية الحديثة هو شعار فارغ، وحيلة خبيثة قصد منها دغدغة مشاعر البسطاء».

الشرطة القضائية في شرق ليبيا تعهدت بمحاسبة من تورط في واقعة جلد المرأة علناً (الشرطة القضائية)

وتابع علي موضحاً: «إذا كان الغرض الأسمى للشريعة هو إرساء العدل والقضاء على الظلم ومحاربة الفساد، فينبغي البدء من مكان آخر غير جسد امرأة ضعيفة، في حين لا يجرؤ على انتقاد أصحاب السلطة والقوة».

وأمام كثرة التساؤلات عن أسباب عدم قطع يد السارق، ذهب المحامي أحمد نشاد إلى أنها «تقطع في حال توفرت أركان إقامة الحد الشرعي».

وفي سياق نقد واقعة الجلد، تحدث الدكتور عقيلة دلهوم، عضو المكتب السياسي للراحل سيف الإسلام، عن «حرارة طقس سبها، وصرامة تطبيق القانون على الضعفاء»، قال إن «مشهد العقوبة العلنية في سبها أعاد إلى الذاكرة مشاهد (داعش) في سرت... فهل هذه هي صورة العدالة التي نريدها؟».

يشار إلى أنه في نهاية 2016، أعلنت سلطات طرابلس دحر تنظيم «داعش» الذي كان يسيطر على مدينة سرت، مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

تعكس هذه الواقعة حالة الاحتقان المجتمعي المرتبطة بازدواجية تطبيق الأحكام في بيئة تسودها الانقسامات السياسية والمسلحة. ورغم التحقيقات التي أجراها النائب العام مع بعض الشخصيات النافذة والمسؤولين في قضايا فساد سابقة، فإن الإفراج عنهم دون أحكام نهائية يعمق من شعور المواطنين بغياب العدالة الناجزة. يبقى الشارع الليبي مترقباً لأي إصلاحات حقيقية تمس منظومة القضاء وتضمن سيادة القانون على الجميع دون استثناء. وتبرز هذه التطورات مدى صعوبة تحقيق التوازن بين تطبيق النصوص الشرعية وغياب الاستقرار المؤسسي الشامل.