رامي الخليفة العلي

مضيق هرمز.. عقدة الصراع الأمريكي–الإيراني

15 يوليو 2026 - 00:08 | آخر تحديث 15 يوليو 2026 - 00:08

تابع قناة عكاظ على الواتساب

لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني يدور حول البرنامج النووي وحده، ولا حول العقوبات أو النفوذ الإقليمي فحسب، بل انتقل إلى قلب الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم، حيث يقف مضيق هرمز اليوم بوصفه العقدة الأشد تعقيداً في مواجهة لا يريد أي من طرفيها أن تتحوّل إلى حرب شاملة، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يتراجع فيها من دون أن يدفع ثمناً استراتيجياً باهظاً. فإيران لم تعد تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ورقة تهديد تُستخدم عند الضرورة، وإنما تسعى إلى تحويله إلى مصدر دائم للقوة والنفوذ، وإلى فرض نفسها حارساً للممر الذي تعبر منه نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية، بما يمنحها القدرة على الضغط على الولايات المتحدة ودول المنطقة والأسواق الدولية كلما اشتدت عليها العقوبات أو ضاقت خياراتها السياسية والعسكرية. وفي المقابل، ترى واشنطن أن القبول بهذا الطموح الإيراني لا يمثل تنازلاً محدوداً يمكن استيعابه داخل تسوية مؤقتة، بل هزيمة تمس جوهر الهيمنة البحرية الأمريكية ومبدأ حرية الملاحة الذي قامت عليه شبكة التجارة العالمية لعقود. من هنا، أصبح مضيق هرمز حجر العثرة الحقيقي أمام أي اتفاق؛ لأن الخلاف لم يعد فنياً حول طرق عبور السفن أو تفسير بنود مذكرة التفاهم، وإنما بات صراعاً على السيادة غير المعلنة: من يقرر، ومن يحمي، ومن يفرض شروط المرور؟ تبدو الولايات المتحدة راغبة في توجيه ضربات قوية ومحسوبة لإضعاف قدرة إيران على استهداف السفن، لكنها لا تريد الذهاب إلى حرب برية مفتوحة، خصوصاً قبل الاستحقاقات السياسية الأمريكية المقبلة، لما قد تحمله مثل هذه الحرب من خسائر بشرية وارتفاع حاد في أسعار النفط واضطراب اقتصادي ينعكس على موقع الرئيس والحزب الجمهوري. أما إيران فتدرك أنها لا تستطيع تحقيق نصر عسكري مباشر على الولايات المتحدة، لكنها تراهن على الزمن، وعلى تحويل الصراع إلى استنزاف طويل يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويعيد الضغط إلى الاقتصاد العالمي، ويختبر قدرة واشنطن على الصبر أمام أزمة مفتوحة لا تملك لها حلاً سريعاً. لذلك تبدو فرص الوصول إلى اتفاق خلال المدة المحددة للمفاوضات ضعيفة؛ لأن طهران لا تريد التخلي عن مكاسبها الجديدة في المضيق، وواشنطن لا تستطيع الاعتراف لها بحق إدارته أو فرض الرسوم على السفن العابرة. كما يبدو الحسم العسكري الشامل مستبعداً في المدى القريب؛ لأن كلفته تتجاوز قدرة الطرفين على الاحتمال؛ ولأن إيران ليست ساحة يمكن إخضاعها بضربات محدودة، بل لها شبكات ممتدة من الحوثيين في اليمن إلى حزب الله والحشد الشعبي، بما يسمح لها بفتح جبهات متعددة. وبين اتفاق متعذّر وحرب شاملة غير مرغوبة، يبرز السيناريو الثالث بوصفه الأكثر واقعية: استمرار المناوشات والضربات المتبادلة والتهديدات البحرية، بالتوازي مع مفاوضات لا تصل إلى تسوية نهائية، ووساطات تمنع الانفجار من دون أن تنهي أسبابه. وقد يستمر هذا الوضع أشهراً أو سنوات؛ لأن الخلاف الأمريكي–الإيراني أعمق من أزمة عابرة، إنه صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى مستقبل الحضور الإيراني وشبكاته العسكرية، وعلى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص هذا النفوذ بعد أن أصبح التعايش معه، وفق الرؤية الحالية في واشنطن، أقل قبولاً من أي وقت مضى.