نشرت جامعة شيكاغو في 2022 دراسة عن تحليل بيانات الجرائم طوال 20 عامًا، لتجد أن الأيام التي تكون درجات الحرارة فيها مرتفعة صيفاً تسجل زيادة في حوادث إطلاق النار والاعتداءات المسلحة بنسبة 12 %، وأنها تخفض من جودة النوم بنسبة 40 %، وهذا يؤدي لفقدان القدرة الإدراكية للأشخاص صباحًا، ويقودهم لاتخاذ قرارات عنيفة في التعامل مع المشاحنات العابرة..

السعوديون ومنذ الطفرة الاقتصادية الأولى في 1975، ترسخت في ثقافتهم ظاهرة التصييف، ويكون ذلك بمغادرتهم الجماعية للمدن الحارة كالرياض والدمام، وبالأخص في الإجازة الصيفية، والتوجه لمدن داخلية كالطائف وأبها، أو أنهم يسافرون إلى الخارج، وفي هذه الفترة تتحول المدن الكبرى إلى مدن أشباح في فترة الظهيرة، ولا تنشط إلا ما بين الثامنة مساء وحتى ساعات الفجر الأولى، ولدرجة أن الملاعب والحدائق والمجمعات التجارية طورت أنشطة ترفيهية تعمل حصراً في هذه الأوقات، وهو تصرف ذكي وإن لم يكن مقصودًا، فقد توصل باحثو المركز الوطني لمعلومات التقنية الحيوية التابع للحكومة الأميركية، في 2024، بعد فرزهم لـ16 ألفًا و643 دراسة دولية، إلى أن تعرض الأشخاص القصير لارتفاع في حرارة الجو يصل لـ10 درجات مئوية يزيد من خطر ارتكابهم للجرائم العنيفة والاعتداءات بنسبة 9 %.

لعل ما سبق تُجمله دراسة أصدرها معهد بوتسدام لأبحاث المناخ في 2024، فقد كشفت أن الهجمات الإلكترونية ومحاولات الاحتيال الرقمي تنخفض بنسبة 11 % خلال موجات الحر العالية، والسبب إصابة الهكرز والمحتالين بالخمول الحراري والصداع، وهذا يؤثر على تركيزهم، ولا يمكنهم من الجلوس الطويل أمام الشاشات.

لفت انتباهي أن الرياض جاءت في المرتبة الرابعة، وبـ47 درجة مئوية، ضمن قائمة أكثر المدن السعودية حرارة، وتصدرت القائمة مدينتا النعيرية والقيصومة، في المنطقة الشرقية، بـ53 درجة مئوية في الظل، ومن بعدهما جدة بـ52 درجة مئوية، فلم أكن أتوقعها بصراحة، وفيما يخص الصدارة الدولية فإن ما يسمونه بوادي الموت في ولاية كاليفورنيا الأميركية يحتفظ بأعلى درجة حرارة مسجلة رسمياً، على مستوى الكوكب، فقد وصلت إلى 56,7 درجة مئوية، ولم تكسر حتى اليوم، والمكان الأكثر حرارة في أفريقيا مسجل باسم مدينة ورقلة في الجزائر، وبلغت 51,3 درجة مئوية، وفي دراسة نشرتها مجلة الرابطة الأميركية الطبية "جاما"، في 2025، وقامت بتحليل 150 ألف بلاغ للشرطة، تم التأكد وبالدليل العلمي أن موجات الحر الشديد التي تستمر لخمسة أيام متتالية أو أكثر، ترفع من معدلات البلاغات العنيفة والاعتداءات المنزلية بصورة حادة، لأن الحرارة تمنع الجسم من إفراز هرمون السيروتونين المسؤول عن السعادة والهدوء، وتزيد من تدفق الأدرينالين الذي يحول أي نقاش تافه بين شخصين إلى عراك جسدي دموي.

الصيف يُنظر إليه في بعض الدول باعتباره تهديدًا للأمن الوطني والبنية التحتية، والشاهد أنه في الهند وبنغلاديش لا تتوقف آثاره عند الحرارة العالية، وإنما تمتد لتتحول إلى مزيج كابوسي من الحرارة المتطرفة والرطوبة الاستوائية، وعند وصول الحرارة في الدولتين إلى 35 درجة مئوية يعجز الجسم البشري تماماً عن إنتاج العرق أو تبريد نفسه، ما يحول الشوارع إلى غرف جماعية للإعدام الحراري، ونشرت جامعة كاليفورنيا بيركلي في 2019، أن المشاجرات الدموية التي تقع في الحوادث المرورية البسيطة، تقفز بنسبة 28 % في شهري يونيو ويوليو، ويعود ذلك إلى الحرارة المرتفعة داخل مقصورة السيارة، والتي تؤدي إلى تبخر السائل الدماغي ببطء، ما يسبب استثارة كيميائية تجعل السائقين يفقدون السيطرة على انفعالاتهم.

كوارث الحرارة العالية لا تتوقف، فقد نشرت منظمة العمل الدولية في 2019، أن الإجهاد الحراري بفعل تغير المناخ سيؤدي في 2030 إلى خسارة إنتاجية تعادل 80 مليون وظيفة بكامل طاقتها، وهذا سيقود إلى خسائر مباشرة في الاقتصاد العالمي، بقيمة ترليونين وأربع مئة مليار دولار، وستكون الزراعة والإنشاءات الميدانية من أكثر القطاعات تضررًا، ونشرت جامعة شيكاغو الأميركية في 2022 دراسة قامت فيها بتحليل بيانات الجرائم طوال 20 عاماً، لتجد أن الأيام التي تكون درجات الحرارة فيها مرتفعة عن معدلها الطبيعي صيفاً تسجل زيادة في حوادث إطلاق النار والاعتداءات المسلحة بنسبة 12 %، وأنها تخفض من جودة النوم بنسبة 40 %، والسابق يؤدي إلى فقدان القدرة الإدراكية للأشخاص صباحاً، ويقودهم لاتخاذ قرارات عنيفة وسريعة في التعامل مع المشاحنات العابرة.

الأهم ما لاحظته، دراسة أجريت على منطقتي مكة والرياض، ونشرتها مجلة أبحاث البيئة والتلوث الألمانية في 2022، أن درجات الحرارة والرطوبة ترتفع فيهما بشكل خانق، ما يزيد من احتمالية حدوث المشاجرات والاعتداءات، وهذه تحتاج إلى رفع مستوى الوجود الأمني والجاهزية الشرطية، بجانب ارتفاع جرائم السرقات والجرائم المادية في منطقة الرياض صيفًا، بفعل استغلال المجرمين للساتر البيئي الذي يوفره السديم والغبار، وفي كل شهر صيفي هناك 17 يومًا من هذا النوع في منطقة الرياض، مقارنة بأربعة أيام في منطقة مكة، والأنسب، في اعتقادي، هو الربط بين أجهزة التنبؤ الجوي والجنائي، الموجودة في المركز الوطني للإرصاد وفي وزارة الداخلية، والعمل على نظام إنذار مبكر، يتوقع ذروة الجرائم السلوكية، بناءً على خرائط الطقس اليومية، ويطور كاميرات مراقبة حرارية، وتقنيات رؤية متطورة، ومقاومة للغبار والعواصف الرملية في الشوارع والمرافق العامة، لضمان عدم تأثر عمليات الرصد الأمني بالتقلبات الجوية.