كتاب

د. خالد محمد باطرفي

الخليج بين حماية الملاحة ومنع الحرب

د. خالد محمد باطرفي

تاريخ النشر: 13 يوليو 2026 11:57 KSA

AA

تشهد منطقة الخليج واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع تصاعد التوتر العسكري واتساع نطاق العمليات ليشمل الممرات البحرية، وارتفاع وتيرة استهداف السفن والدول المجاورة، في وقت تتبادل فيه واشنطن وطهران الضربات والرسائل العسكرية. ويعيد هذا المشهد طرح سؤال جوهري: هل ما يجري مجرد جولة تصعيد جديدة، أم أننا أمام تحول استراتيجي قد يعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي؟

في خضم هذه التطورات، برز الموقف السعودي واضحاً في إدانة أي اعتداء يستهدف السفن أو الدول الشقيقة، وهو موقف لا يعكس رد فعل آنياً بقدر ما يجسد سياسة ثابتة تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض استخدام القوة لفرض الوقائع، وحماية أمن الممرات البحرية التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. فحرية الملاحة ليست مصلحة لدول الخليج وحدها، بل ركيزة أساسية لاستقرار التجارة الدولية وأسواق الطاقة. وتزداد خطورة الأزمة عندما تمتد التهديدات إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالمضيق ليس ممراً وطنياً يخضع لإرادة دولة واحدة، بل معبر دولي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. وأي محاولة لتعطيل الملاحة فيه، سواء بالإغلاق أو بالتهديد أو بزرع الألغام أو استهداف السفن، لا تمثل تحدياً لدولة بعينها، وإنما تمس مصالح المجتمع الدولي بأسره، وتفتح الباب أمام ردود فعل متعددة تتجاوز الإطار الإقليمي.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند الملاحة البحرية، بل تمتد إلى أمن الدول المجاورة. فإذا اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل أراضي دول ليست طرفاً مباشراً في النزاع، فإن ذلك يمثل خروجاً عن قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويؤدي إلى توسيع دائرة الصراع بدلاً من احتوائه. كما يمنح الدول المتضررة شرعية أكبر لتعزيز إجراءاتها الدفاعية، ويزيد من عزلة الطرف الذي يوسع نطاق المواجهة. وفي المقابل، أظهرت منظومات الدفاع الجوي في عدد من دول المنطقة مستوى متقدماً من الكفاءة في التعامل مع التهديدات الجوية، وهو ما يعكس سنوات من الاستثمار في بناء قدرات الردع، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز التنسيق الدفاعي. إلا أن النجاح العسكري لا يلغي حقيقة أن استمرار الهجمات يرفع الكلفة السياسية والأمنية على المنطقة بأسرها، ويزيد من احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع. أما على صعيد المواجهة الأمريكية الإيرانية، فمن المبكر الحديث عن انهيار كامل للمسار الدبلوماسي، رغم أن التصعيد الحالي يمثل أحد أخطر مراحله. فالتاريخ يبين أن النزاعات الكبرى غالباً ما تنتهي إلى طاولة المفاوضات، لكن الوصول إليها يتطلب أولاً وقف التصعيد، وتوفير الحد الأدنى من الثقة، وتهيئة ظروف تسمح بعودة الحوار. وفي كثير من الأحيان تستخدم الأطراف القوة العسكرية لتحسين مواقعها التفاوضية، لا لإغلاق باب التفاوض نهائياً. وبالمثل، فإن تقييم أثر الضربات العسكرية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المواقع المستهدفة أو حجم الخسائر المباشرة، بل يجب أن يقاس بقدرتها على تغيير السلوك السياسي للطرف المقابل. فالعمليات العسكرية قد تحقق أهدافاً تكتيكية، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج حلول استراتيجية مستدامة إذا لم تترافق مع مسار سياسي واضح يعالج جذور الأزمة. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك دولي وإقليمي متوازن يمنع اتساع رقعة الصراع، ويؤكد مبدأ حرية الملاحة، ويحمي سيادة الدول، ويعيد الاعتبار للحلول السياسية. كما أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تمتلك مصلحة مباشرة في الدفع نحو احتواء الأزمة، لأنها الأكثر إدراكاً للكلفة الإنسانية والاقتصادية لأي حرب إقليمية شاملة، والأكثر حرصاً على استقرار المنطقة باعتباره شرطاً أساسياً للتنمية والازدهار. إن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن الاقتصاد العالمي، كما أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الدولي. ولذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلب تغليب العقل على منطق التصعيد، والعودة إلى قواعد القانون الدولي، وتفعيل الدبلوماسية قبل أن تتحول المواجهة المحدودة إلى أزمة إقليمية يصعب احتواء تداعياتها. فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة بقدر حاجتها إلى نظام أمني إقليمي يقوم على احترام السيادة، وضمان حرية الملاحة، وتسوية الخلافات عبر الحوار، لأن الاستقرار هو المكسب الحقيقي الذي تتقاطع عنده مصالح دول المنطقة والعالم. @kbatarfi