مهما كانت تفاصيل المباراة النهائية يوم الأحد أمام إسبانيا، يثق المشجعون الأرجنتينيون بأن منتخبهم، حامل اللقب، سيقاتل حتى الرمق الأخير، مستندين إلى انتصاراته الملحمية في مونديال أميركا الشمالية.

تأتي هذه الروح القتالية كجزء من تراث كروي طويل للأرجنتين، حيث عُرفت بقدرتها على مواجهة الصعاب في البطولات الكبرى.

ويرى خبراء أن هذه العقلية الصلبة لا تقتصر على مواهب ميسي وزملائه، بل تنبع من طبيعة المجتمع الأرجنتيني الذي يتسم بالسعي الدؤوب نحو النجاح، مع استعدادهم للدفاع عن لقبهم أمام إسبانيا.

أخبار متعلقة

ردد اللاعبون والطاقم التدريبي والجماهير خلال الأسابيع القليلة الماضية أن المنتخب "يعرف كيف يعاني".
قال المدرب ليونيل سكالوني الأربعاء، بعد عودة الأرجنتين المذهلة والمتأخرة للفوز على إنكلترا 2-1 في نصف النهائي "أعتقد أن هذا المنتخب يقدم أفضل أداء له عندما يكون في مأزق".
وشهدت نسخة مونديال 2026 إقدام أبطال العالم 3 مرات على قلب الطاولة في اللحظات الأخيرة، مرارا وتكرارا في الأدوار الإقصائية.
في البداية، توجب عليهم تسجيل هدفين بعد التمديد للفوز على منتخب الرأس الأخضر المتواضع بنتيجة 3-2، والتأهل إلى دور الـ16.
ثم تأخروا بهدفين نظيفين أمام مصر حتى الدقيقة 78، قبل أن يُلهمهم ميسي لتسجيل ثلاثة أهداف متأخرة.
وفي ربع النهائي، تجنبوا بصعوبة ركلات الترجيح أمام سويسرا بتسجيل هدفين في الشوط الإضافي الثاني.
قال المحامي ماتياس سيريلّي (44 عاما)، من بوينوس أيرس لوكالة فرانس برس الخميس، بصوتٍ أجشّ قليلا من جراء الاحتفالات الصاخبة التي جرت في اليوم السابق "إنها مجموعة من الأشخاص الذين، رغم المصاعب، لا يستسلمون أبدا".
ويربط سيريلي صمود المنتخب بـ"المصاعب الكثيرة" التي يعتقد أن الأرجنتين عانت منها على مر السنين.
وأضاف "لن يعتبر الأرجنتينيون أبدا أن المعركة خاسرة، حتى لو كانت التوقعات غير مواتية تماما".
- "دولة مدفوعة بالنجاح" -
يعتقد كثيرون أن قيادة سكالوني عززت هذه الذهنية الفولاذية القائمة على "نستطيع الإنجاز".
ومنذ توليه المنصب الفني في عام 2018، ركّز على بناء منظومة قوية حول ميسي، المتوّج بالكرة الذهبية ثماني مرات، والذي يبلغ الآن 39 عاما.
وبالنسبة إلى ميسي الذي يعتبره كثيرون أعظم لاعب في تاريخ الكرة المستديرة، فقد كان ذلك تحقيقا أخيرا للنجاح على الساحة الدولية.
وخلال السنوات الثماني التالية، حوّل الثنائي الأرجنتين إلى ماكينة لحصد الانتصارات، بإحراز لقب كوبا أميركا مرتين تواليا، تخللهما الظفر باللقب الثالث في كأس العالم في قطر عام 2022، إضافة إلى الفوز بمباراة الـ"فيناليسيما".
وأشاد بابلو نيغرو، رئيس الجمعية الأرجنتينية لعلم النفس الرياضي، بـ "هذه العملية الطويلة جدا من العمل".
وقال لفرانس برس "هذا المنتخب يرى في الضغط فرصة للتطور الذاتي ولتحقيق التميز".
ويعتقد نيغرو أن هذه الذهنية ترجع جزئيا إلى عوامل فطرية، وجزئيا إلى "المستوى العالي من المطالب الموجود في كرة القدم الأرجنتينية وفي المجتمع الأرجنتيني".
وأضاف عالم النفس "نحن نعيش في بلد يقوم إلى حد كبير على السعي إلى النجاح، حيث يُتوقع منا الفوز باستمرار منذ سن مبكرة".
- "رأسك مرفوعة" -
قال عالم الأنثروبولوجيا فيديريكو سيسلي إن تكوين اللاعبين في فئات الشباب في الأرجنتين يساهم في صياغة شخصيات من يصل منهم إلى المنتخب الوطني.
ويتخصص الأكاديمي في تدريب كرة القدم الاحترافية في جامعة سان مارتين، كما يعمل مع منظمة "أنقذوا كرتنا".
وأوضح سيسلي أن برامج تطوير الناشئين تركز على قيم مثل التضحية والتواضع، لافتا إلى أن العديد من الأطفال ينحدرون من أسر ذات دخل منخفض.
وأضاف أن اللاعبين، منذ سن مبكرة جدا، يشعرون بأن رد الجميل لعائلاتهم ولمدربيهم أمر غير قابل للتفاوض.
وقال "ما يقدمه التواضع هو منح اللاعب... الأداة الرئيسة لتجاوز الشدائد والمضي قدما".
وأشار إلى أن الجماهير تمثّل عامل ضغط إضافيا يفرض "نوعا من الحظر على التراخي".
وأضاف "هم يطالبون من لاعب كرة القدم الأرجنتيني ليس بقدر ما هو أداء جيد، بل أن يبذل قصارى جهده... طالما يحدث ذلك، فإنك تغادر ورأسك مرفوعة".

وتعكس هذه العقلية الجماعية تأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الأرجنتين، التي تشكل شخصية اللاعبين منذ سن مبكرة. ومع اقتراب النهائي، يبقى السؤال: هل تكفي هذه الذهنية الفولاذية لمواجهة قوة إسبانيا المرشحة؟