الأرجنتين.. ثقافة الفوز حتى الصافرة
ليست كل الفرق التي تفوز هي الأفضل طوال المباراة، كما أن التفوق لا يُقاس دائماً بعدد الدقائق التي يسيطر فيها فريق على الملعب. أحياناً يكفي أن تعرف كيف تبقى في المباراة، وأن تحتفظ بأعصابك وأدواتك إلى اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون استعجال النهاية. وهذه، باختصار، هي الثقافة التي أوصلت الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم مرة أخرى.أمام إنجلترا، بدت المباراة متجهة إلى نهاية مختلفة. تقدّم الإنجليز، وأغلقوا المساحات، وبدأت ملامح التأهل تلوح أمامهم. لكن الأرجنتين لم تتعامل مع التأخر بوصفه حكماً نهائياً، ولم يت…
الأرجنتين.. ثقافة الفوز حتى الصافرة
نُشر هذا التقرير في 17 يوليو 2026 الساعة 00:02، وآخر تحديث كان في التوقيت نفسه.
تُعرف الأرجنتين بتاريخها الكروي العريق، وتمتاز بقدرتها الفريدة على قلب الطاولة في اللحظات الحاسمة.
ليس كل فريق يفوز هو الأفضل طوال اللقاء، كما أن التفوق لا يُقاس بحجم السيطرة أو عدد دقائق الاستحواذ. أحياناً، يكفي أن تحافظ على وجودك في المباراة، وتحتفظ برباطة جأشك إلى اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون بالتسرع. وهذه، باختصار، هي الفلسفة التي قادت الأرجنتين إلى نهائي المونديال مرة أخرى.
أمام إنجلترا، بدت المباراة متجهة إلى نهاية مختلفة. تقدّم الإنجليز، وأغلقوا المساحات، وبدأت ملامح التأهل تلوح أمامهم. لكن الأرجنتين لم تتعامل مع التأخر بوصفه حكماً نهائياً، ولم يتحوّل الوقت المتناقص إلى مصدر للذعر. انتظرت، وضغطت، وواصلت البحث عن الثغرة، حتى أدركت التعادل في الدقائق الأخيرة، ثم خطفت هدف الفوز في الوقت بدل الضائع، بمساهمتين حاسمتين من ليونيل ميسي، لتتأهل إلى النهائي.
ما حدث أمام إنجلترا لم يكن حالة استثنائية. فقبلها، عادت الأرجنتين من موقف صعب أمام مصر وحسمتها في الدقائق الأخيرة، وفي مواجهة سويسرا لجأت إلى الوقت الإضافي قبل أن تفرض خبرتها وتضمن بطاقة نصف النهائي. ومع تكرار السيناريو، صار من الواضح الحديث عن سمة أرجنتينية راسخة: هذا المنتخب لا يعتبر المباراة منتهية ما دامت الصافرة لم تصفر.
ويمكن تسمية ما يحدث في النهاية بـ«عشر دقائق ميسي». وليس المقصود أن الرجل يفعل كل شيء وحده، وإنما أن حضوره يمنح زملاءه يقيناً بأن فرصة أخرى ستأتي، وأن تمريرة واحدة قد تغيّر مسار بطولة كاملة. أمام إنجلترا ظل تحت الرقابة فترات طويلة، لكنه أعاد تمركزه، وتحرك في المساحات التي تؤلم خصمه، ثم صنع اللحظتين اللتين قلبتا المباراة. فالعبقرية هنا ليست في المهارة وحدها، بل في الاحتفاظ بالصفاء الذهني عندما يصبح الملعب كله مشبعاً بالتوتر.
وهذا هو الفارق بين فريق يلعب جيداً، وفريق يعرف كيف يفوز. الأول قد يسيطر، ويصنع الفرص، ويتقدم في النتيجة؛ أما الثاني فيمتلك، إلى جانب ذلك، الصبر والخبرة والقدرة على تغيير الخطة واستثمار اللحظة التي يبدأ فيها الخصم بالتراجع أو الخوف أو الاكتفاء بما حققه. حاولت إنجلترا حماية تقدّمها، فتراجعت أكثر مما ينبغي، بينما تعاملت الأرجنتين مع كل متر تخلت عنه بوصفه مساحة جديدة للهجوم.
وفي الحياة أيضاً، لا يذهب النجاح دائماً إلى صاحب البداية الأقوى، ولا إلى الأكثر ضجيجاً أو موهبة. كم من مشروع بدأ متأخراً، ثم سبق غيره لأن أصحابه لم يفقدوا التركيز؟ وكم من إنسان امتلك فرصة النجاح ثم بدّدها لأنه استعجل الاطمئنان قبل النهاية؟ الفارق كثيراً ما يُصنع في «الدقائق العشر الأخيرة»؛ حين يتعب الآخرون، أو يطمئنون، أو يظنون أن النتيجة أصبحت ملكاً لهم.
ثقافة الفوز لا تعني إنكار التعب، ولا الادعاء بأن الهزيمة مستحيلة، وإنما تعني ألا تمنح خصمك نهايتك قبل أن يفرضها عليك. تعني أن تحتفظ بخطة بديلة، وأن تظل قادراً على المحاولة حين تضيق المساحات، وأن تدرك أن الأدوات التي لم تستخدمها بعد قد تكون أهم مما استخدمته منذ البداية.
ولهذا، فإن أجمل ما قدّمته الأرجنتين في هذه البطولة لم يكن الأهداف المتأخرة وحدها، بل درسها المتكرر في إدارة الأمل. فهي قد لا تكون الأفضل في كل دقيقة، لكنها تعرف أي الدقائق يجب أن تكون فيها الأفضل. وميسي ورفاقه لا يستعجلون الاحتفال، ولا يصدقون أن المباراة انتهت لمجرد أن خصمهم بدأ يصدق ذلك.
فالمنتصر الحقيقي ليس دائماً من يبدأ أقوى، بل من يبقى قادراً على تغيير النتيجة حتى آخر لحظة. وميسي ورفاقه، أثبتوا مجدّداً تفوقهم على كل الفرق في هذه البطولة، من حيث إتقان فن اللعب حتى صافرة النهاية.
هذه الثقافة لا تقتصر على الملاعب وحدها، بل تمثل درساً في الإصرار وعدم الاستسلام. وتؤكد الأرجنتين مرة أخرى أن النجاح لا يُقاس بالبدايات القوية، بل بالقدرة على إنهاء المباريات بقوة. ويبقى السؤال: هل سيتمكن المنتخب من ترجمة هذه العقلية إلى لقب عالمي جديد؟
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.