الأحد 12 يوليو 2026

عندما بدأت تشجيع نادي الشباب لأول مرة عام 1413هـ، كنت أشاهد فريقًا مدججًا بالنجوم، يتسلّح بالروح والقتالية، واستمر على هذا النهج لعقود طويلة. إلا أن الحال تغيّر، وأصبح من المؤكد أن دوام الحال من المحال. وبدأ التراجع التدريجي منذ عام 2015، إلى أن بلغ الفريق أدنى مستوياته هذا الموسم. فقد قدّم فريق الشباب هذا الموسم أسوأ أداء ونتائج تُعد الأضعف على مدى 45 عامًا منذ صعوده إلى مصاف أندية الدرجة الأولى في أواخر السبعينات الميلادية، وكان قاب قوسين أو أدنى من الهبوط، لولا ضعف المنافسة على مراكز الهبوط الثلاثة.

فمن أصل 30 مباراة هذا الموسم، سجل الفريق 38 هدفًا فقط، بمعدل منخفض يبلغ 1.27 هدفًا لكل مباراة، وهو رابع أسوأ معدل تهديفي منذ انطلاقة دوري المحترفين قبل 19 عامًا. وفي المقابل، استقبلت شباكه 48 هدفًا في 30 مباراة، بمعدل 1.60 هدفًا في المباراة، وهو الأسوأ على الإطلاق في تاريخ الفريق خلال مشاركاته في دوري المحترفين، ما يعكس خللًا واضحًا في المنظومة الفنية، سواء على المستوى الهجومي أو الدفاعي.

إن ما يمر به الفريق هذا الموسم هو أثر تراكمي ناتج عن تأثير خمسة عوامل مجتمعة، تراكمت خلال السنوات الأربع الماضية (2022–2026). أول هذه العوامل هو غياب الاستقرار الإداري، حيث توالت على النادي خمس إدارات خلال أربع سنوات، وهو عدد كبير يُعد حالة نادرة لم يشهدها دوري المحترفين لأي نادٍ آخر. والأكثر غرابة أن إدارتين من هذه الإدارات، إحداهما تم حلّها من قبل وزارة الرياضة، وأخرى تم إنهاء تكليفها من الجهة ذاتها. كما أن غالبية هذه الإدارات عابها ضعف الخبرة الرياضية، وعدم الاستفادة القصوى من الموارد المالية المتاحة، فضلًا عن التورط في تعاقدات باهظة الثمن.

العامل الثاني يتمثل في عدم الاستقرار الفني، حيث تعاقب على الفريق خلال الفترة ذاتها (2022–2026) سبعة مدربين من مدارس تدريبية مختلفة (إسبانيان، برتغالي، تركي، هولندي، كرواتي، وجزائري)، وهو ما أثّر بشكل كبير على الاستقرار الفني، وأدى إلى إهدار جزء كبير من الموارد المالية نتيجة تغيّر التوجهات الفنية بشكل مستمر.

أما العامل الثالث فهو ضعف التعاقدات الأجنبية، إذ تعاقدت هذه الإدارات مع 28 لاعبًا أجنبيًا خلال أربع سنوات فقط، معظمهم بمبالغ كبيرة، كبدت النادي أعباء مالية دون أن يقدّموا الإضافة الفنية المطلوبة. ووفقًا لبيانات موقع ترانسفرماركت، يحتل الشباب حاليًا المركز السادس من حيث القيمة السوقية بين أندية الدوري الثمانية عشر، رغم منافسته على الهبوط وضعف أداء محترفيه الأجانب، ما يشير إلى خلل واضح في معايير الاختيار، حيث يبدو أن القيمة السوقية أصبحت معيارًا بديلاً عن الأداء الفعلي داخل الملعب، وهو خطأ استراتيجي ساهم في تدهور مستوى الفريق.

العامل الرابع يتمثل في الهدم مقابل ضعف البناء، فإلى جانب الفشل في اختيار لاعبين أجانب قادرين على الاستمرارية، فقد الفريق العديد من المواهب والنجوم المحليين دون تعويض مناسب، مثل حسان تمبكتي ومتعب الحربي وتركي العمار وعلي مجرشي وهتان باهبري ونادر الشراري ومصعب الجوير وحامد الشنقيطي، إضافة إلى أسماء أخرى، في وقت فشلت فيه الإدارات المتعاقبة في اقتناص المواهب المحلية التي كانت متاحة بأسعار معقولة وانتقلت لاحقًا إلى أندية منافسة.

أما العامل الخامس، فيتمثل في تحميل النادي أعباء مالية ضخمة نتيجة تعاقدات غير مدروسة، خصوصًا مع لاعبين أجانب. فقد قامت إحدى الإدارات السابقة بالتعاقد مع كارلوس جونيور بعقد كبير وغير مبرر لمدة أربع سنوات، ثم جاءت إدارة أخرى لتبرم عقدًا ضخمًا مع الحبيب ديالو، قُدّر بأنه يتجاوز مئة مليون. تلا ذلك التعاقد مع الحارس الأوكراني جورجي بوشان بعقد مبالغ فيه، ثم عقود أخرى مع جوش براونهيل وفينسنت سيرو. هذه التعاقدات غير المدروسة استنزفت الموارد المالية، وأدت إلى صعوبة تفريغ خانات لتسجيل لاعبين جدد.

نصل إلى السؤال الأهم: هل يمكن تصحيح المسار؟ إن الوضع الذي صنعته الإدارات السابقة أدى إلى تعقيدات كبيرة، وجعل مهمة الإدارة الحالية أكثر صعوبة، مع تضاؤل فرص النجاح في ظل غياب الأسس التي تقوم عليها كرة القدم الحديثة، وعلى رأسها الاستقرار وحسن إدارة الموارد. لذلك، لا يمكن تحميل الإدارة الحالية كامل المسؤولية، إلا أنه يتوجب عليها العمل الجاد لتحقيق الاستقرار الإداري والفني الذي افتقده الفريق.

الحل الأمثل يتمثل في خصخصة النادي، وتوفير موارد مالية مستدامة تسهم في إعادة بناء الفريق وقيادته نحو منصات التتويج. فنادٍ بحجم وتاريخ الشباب، الذي حقق بطولة الدوري ست مرات، وحل وصيفًا مثلها، وتوّج ببطولات آسيوية وعربية وخليجية، وكان ولا يزال منبعًا للنجوم، كان من الأولى أن يكون ضمن أوائل الأندية التي تم تخصيصها، باعتباره أحد أركان الكرة السعودية.

العربوشعوب الشرق الأوسط

وفي حال عدم خصخصة النادي، فإن استقرار الإدارة الحالية لأطول فترة ممكنة يُعد ضرورة ملحّة لتحقيق الاستقرار الإداري، مع تدعيم الهيكل الإداري بكفاءات احترافية ذات انتماء صادق للنادي، وإبعاد أي ممارسات قد تضع مصالح أخرى فوق مصلحة الشباب. إلى جانب ذلك، يصبح التعاقد مع مدرب ذي قيمة فنية عالية أمرًا أساسيًا، على أن يكون ملمًا بطبيعة الدوري السعودي، وقادرًا على التعامل مع تحدياته وتنوع أساليب اللعب فيه.

كما ينبغي تشكيل لجنة متخصصة من الخبراء لاكتشاف المواهب المحلية في دوري روشن ودوري يلو، بهدف تعزيز الفريق الأول بعناصر واعدة، والمساهمة في بناء فريق متوازن على أسس صحيحة. فهناك العديد من اللاعبين الشباب في أندية أخرى ممن يستحقون الاكتشاف ومنح الفرصة، وهو ما يتطلب الابتعاد عن الأسماء المستهلكة التي لم تعد تقدم الإضافة الفنية المطلوبة. كذلك، تبرز الحاجة إلى تشكيل لجنة أخرى متخصصة لدراسة التعاقدات الأجنبية، بحيث يتم اختيار اللاعبين وفق معايير دقيقة تتناسب مع الإمكانات المالية المتاحة.

ويفترض أن تتوفر في كل لاعب أجنبي يتم التعاقد معه مستقبلاً مجموعة من المواصفات الأساسية، تشمل أن يكون في أوج عطائه الفني، وأن يمتلك مهارات عالية تتناسب مع مركزه، وأن يتحلى بثقافة الفوز، وألا يكون لديه سجل مقلق من الإصابات، إضافة إلى تمتعه بقوة بدنية مناسبة، وانضباط داخل وخارج الملعب، وقدرة على التأقلم مع اللعب تحت الضغط، فضلًا عن إجادته للعب الجماعي. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فإن غالبية اللاعبين الأجانب الذين يمثلون الفريق لا تنطبق عليهم هذه المعايير، ما يطرح ضرورة إعادة تقييم استمرارهم، خصوصًا في حال توفر ميزانية تسمح بإحداث التغيير المطلوب.

ومن الأخطاء التي يجب عدم تكرارها مستقبلاً، التفريط في نجوم الفريق، خصوصًا اللاعبين المحليين، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن النادي لم يستفد بالشكل الأمثل من العوائد المالية الناتجة عن بيعهم، بل تأثر فنيًا بشكل واضح. كما ينبغي أن تكون إعارة اللاعبين مستقبلاً مشروطة بخيار أحقية شراء العقد، لتفادي خسارة عناصر مميزة كما حدث في حالات سابقة مثل مصعب الجوير وحمد اليامي، حيث كانت هناك فرصة للاستفادة من خدماتهما بشكل دائم، إلا أن ضعف الخبرة الإدارية حال دون ذلك.

وفي الختام، فإن ما وصل إليه نادي الشباب من تدهور في المستويات والنتائج، إضافة إلى هدر الموارد المالية، هو نتاج حالة من الفوضى الإدارية وتراكم الأخطاء. ولإخراج الفريق من هذه المرحلة، فإن الأمر يتطلب عملًا كبيرًا ومنظمًا من الإدارة الحالية، يركز على ترسيخ ثقافة الفوز داخل النادي، وإعادة بناء هويته التنافسية، انطلاقًا من منظومة عمل متكاملة تقوم على الاستقرار، والتخطيط، والكفاءة في اتخاذ القرار، فالتاريخ وحده لا يكفي للعودة إلى القمة، بل يحتاج إلى إدارة واعية ورؤية واضحة للمستقبل.

** **

- د. راشد التميمي

[email protected]

اقرأ أيضاً