مصر تفتش عن مواهبها الكروية بأوروبا... فهل تستقطبهم؟
ملخص
يظل السؤال قائماً: كيف تستقطب لاعباً ترعرع في أوروبا وينتظر دعوة من منتخب البلد الذي نشأ فيه؟ ويشير الناقد الرياضي حسين حمدي إلى أن اللاعبين مزدوجي الجنسية لا يهمهم فقط فرصة المشاركة، بل أيضاً وضوح الرؤية الفنية والاستقرار وطريقة المعاملة. ويؤكد أن جذب هؤلاء اللاعبين يواجه تحديات، أبرزها التنافس مع اتحادات أوروبية تملك إمكانيات ضخمة، وضرورة التواصل المبكر مع اللاعبين، وأهمية بناء الثقة مع اللاعب وعائلته وتوضيح دوره في المنتخب.
ويمثل استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية أولوية متزايدة للاتحادات العربية، في ظل تنامي أعداد اللاعبين من أصول عربية في الدوريات الأوروبية.
أثار تألق اللاعب هيثم حسن مع المنتخب المصري في كأس العالم عديداً من التساؤلات حول تأخر مصر في التنقيب عن مواهبها المدفونة في أوروبا، من اللاعبين مزدوجي الجنسية، التي تنتظر من يبحث عنها ويمنحها الفرصة لتمثيل المنتخبات الوطنية المصرية، على غرار ما يقوم به المغرب في الأعوام الأخيرة، مما جعله أحد القوى العظمى في كرة القدم خلال آخر نسختين للمونديال.
حسن المولود في فرنسا لأب مصري وأم تونسية، ويحمل جنسيات الدول الثلاث، قدم أداء لافتاً خلال كأس العالم، وبخاصة خلال مباراة الأرجنتين، ليقدم لاعب ريال أوفييدو الإسباني نفسه إحدى أبرز مفاجآت البطولة بلمساته الحاسمة، وجرأته في المواجهات الكبرى، وقدرته على تغيير مسار المباريات في لحظات.
اقرأ المزيد- مدير منتخب مصر يحذر محمد صلاح من مصير ليونيل ميسي
- "مزدوجو الجنسية" طريق منتخب مصر لبناء جيل جديد
- أرقام نجم منتخب مصر مرموش تضعه مع كبار كرة القدم الأوروبية
ملف اللاعبين مزدوجي الجنسية ليس بجديد على الكرة المصرية، لكنها المرة الأولى التي يبرز فيها لاعب من الجيل الثاني للمصريين في أوروبا ويحقق نجاحاً مع المنتخب، خصوصاً أن هيثم حسن سبق له تمثيل منتخب فرنسا تحت 17 سنة، وتواصل معه الاتحاد التونسي، لكنه فضل اللعب لمنتخب الفراعنة.
لجنة للبحث عن المواهب
بعد سنوات من الجهود الفردية لتسليط الضوء على المواهب المصرية بالخارج، تحرك اتحاد الكرة لأول مرة في يوليو (تموز) 2025 بتشكيل لجنة لشؤون اللاعبين المحترفين، مهمتها البحث المستمر عن اللاعبين مزدوجي الجنسية، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة لهم، والتواصل الرسمي لإقناعهم بتمثيل المنتخبات المصرية في مختلف الفئات العمرية.
إلا أن عمر اللجنة لم يدم سوى بضعة أشهر، حيث ألغيت بعد تقديم قاعدة بيانات تضم أكثر من 70 لاعباً مصرياً في دوريات العالم، ومن فئات عمرية مختلفة، رأت اللجنة أنهم يملكون المقومات للانضمام إلى المنتخبات المصرية.
المنسق الإعلامي لمنتخب مصر للناشئين محمد الصايغ قال لـ"اندبندنت عربية" إنه جرى استقطاب أكثر من لاعب لأكثر من منتخب، سواء منتخب 2005 أو منتخب 2009، الذي كان يضم بين صفوفه اللاعب أمير أبو العز، لاعب مونزا الإيطالي، الذي يملك ثلاث جنسيات، وهي المصرية والإيطالية والأوكرانية، وشارك بالفعل في بطولة أمم أفريقيا للشباب. وأضاف أن هناك 15 لاعباً جاءوا لمنتخبات الشباب، تحديداً منتخب تحت 17 عاماً، لكن لم يبرز منهم سوى لاعبين فقط هم أمير أبو العز وزياد القصبي.
وأضاف الصايغ، وهو صحافي وناقد رياضي، أنه سوف يعاد تشكيل هذه اللجنة مرة أخرى خلال الفترة المقبلة، من أجل تفعيل دورها بصورة واضحة، وتبدأ في التواصل مع اللاعبين الموجودين بأوروبا، ودعوتهم إلى معسكرات المنتخبات ورؤيتهم على أرض الواقع.
طلب مدرب المنتخب المصري حسام حسن من مساعديه تقريراً عن اللاعبين المصريين في الخارج (رويترز)
وذكرت تقارير صحافية محلية أن مدرب المنتخب المصري حسام حسن طلب من مساعديه تقريراً عن اللاعبين المصريين في الخارج، وبخاصة أنه يتابع حالياً ثمانية لاعبين هم تيبو جبريال لاعب وسط ماينز، وسليم طلب لاعب هيرتا برلين، وعمر عبدالمجيد مدافع هامبورغ في ألمانيا، ورضوان حمزاوي لاعب أوكسير، وأمير أبو العز لاعب موناكو في فرنسا، وكريم أحمد لاعب ليفربول الإنجليزي، وبلال موسى مدافع زفوله، ورضا بكير لاعب أياكس في هولندا.
ويرى السفير الإعلامي للدوري الإسباني والناقد الرياضي، أحمد عطا، أنه من المستبعد ظهور نموذج مثل هيثم حسن سريعاً، لأنه لا يوجد حالياً لاعب مصري بارز في دوري كبير لم ينضم إلى المنتخب. وأضاف لـ"اندبندنت عربية" أن الجيلين الثاني والثالث من المصريين في الخارج تخرّج منهما مواهب بارزة، ومن المؤكد في الأعوام المقبلة أن نشهد أكثر من "هيثم حسن" في المنتخب المصري.
وكانت اللجنة تضم عدداً من الإعلاميين والمهتمين بالبحث عن مواهب مصرية في الخارج، ومنهم وسيم أحمد، أبرز من فتحوا ملف اللاعبين مزدوجي الجنسية منذ عام 2008، ويعد مكتشف هيثم حسن حيث بدأ التواصل معه في عام 2019، ونجح في كسب ثقته ووالده، حتى استطاع إقناع اللاعب باللعب لمنتخب مصر رغم منافسة المنتخب التونسي.
تجارب سابقة
لم يكن هيثم حسن اللاعب الوحيد الذي نجح وسيم أحمد في تقديمه للمنتخب، إذ سبقه لاعب الوسط سام مرسي، الذي يحمل أيضاً الجنسية البريطانية، وشارك مع مصر في كأس العالم 2018.
لم تكن تجربة سام مرسي مع منتخب مصر طويلة أو مستقرة، لكنها تظل واحدة من أبرز النماذج للاعبين مزدوجي الجنسية الذين حاولوا فرض أنفسهم في صفوف الفراعنة، من دون أن يحظوا بالاستمرارية الكافية. انضم سام مرسي إلى منتخب مصر للمرة الأولى في أغسطس (آب) 2016 خلال فترة المدرب الأرجنتيني هيكتور كوبر، حيث خاض مباراته الدولية الأولى في مباراة ودية.
شارك مرسي في تسع مباريات دولية فقط بقميص منتخب مصر، من دون أن يسجل أو يصنع أهدافاً، رغم استمراره في تقديم مستويات قوية في الدوري الإنجليزي، بخاصة مع إيبسويتش تاون، فإن ذلك لم ينعكس على فرصه الدولية بصورة كافية.
وواجه مرسي واحدة من أبرز أزمات اللاعبين مزدوجي الجنسية، وهي غياب الثقة والاستمرارية مع تغيّر الأجهزة الفنية. حتى إن اللاعب نفسه أشار إلى أن عدم استدعائه لفترات طويلة كان بمثابة مؤشر إلى خروجه من خطط الأجهزة الفنية للفراعنة. ورغم التهميش، لم يُغلق مرسي الباب أمام المنتخب، بل أكد مراراً أن تمثيل مصر كان حلماً كبيراً له.
ومن الدوري الإنجليزي أيضاً انضم المدافع آدم العبد، المولود في إنجلترا لأب مصري وأم إنجليزية، إلى منتخب مصر عام 2012 بعد استكمال إجراءات حصوله على الجنسية المصرية، ليصبح متاحاً للمشاركة الدولية مع الفريق الأول. وجاء استدعاؤه في فترة كان المنتخب يبحث خلالها عن تدعيم صفوفه بعناصر محترفة في أوروبا.
قدم هيثم حسن أداءً لافتاً خلال كأس العالم مع المنتخب المصري بخاصة مباراة الأرجنتين (رويترز)
وخاض مدافع برايتون السابق أولى مبارياته الدولية أمام الكاميرون، وبدأ في تعلم اللغة العربية لتسهيل التواصل مع زملائه والجهاز الفني. ورغم الحماس الكبير الذي صاحب انضمامه، لم يحصل العبد على فرص كثيرة لإثبات نفسه بصورة كاملة داخل المنتخب، في ظل المنافسة القوية في مركز قلب الدفاع، إلى جانب بعض التحديات المتعلقة بالتأقلم واختلاف أسلوب اللعب.
وكانت تجربة الدنماركي مصري أمير عادل أو ألكسندر ياكوبسون من أشهر الإحباطات في ملف اللاعبين مزدوجي الجنسية، إذ عرفه الجمهور بـ"رونالدينهو المصري"، وانضم لمنتخب مصر خلال مباراة ودية عام 2017، ولم يجرِ استدعاء اللاعب مجدداً. ورغم مسيرة اللاعب الأوروبية في الدنمارك، فإن جنسيته المصرية منحته فرصة اللعب في وادي دجلة وسموحة، لكنه لم يستمر طويلاً في مصر وعاد من حيث جاء.
واختار لاعبون مصريون آخرون اللعب لمنتخبات أوروبية، أشهرهم ستيفان شعراوي، الذي اختار اللعب لمنتخب إيطاليا رغم محاولات مسؤولي المنتخب المصري إقناعه بتمثيل الفراعنة. وصرح اللاعب الملقب بـ"الفرعون" نسبة لوالده المصري، عام 2016، أنه ليس نادماً على رفض تمثيل مصر. معتبراً أنه من الطبيعي اختيار إيطاليا البلد التي ولد ونشأ فيها. وبعد ذلك التصريح تأهلت مصر لكأس العالم مرتين بينما بقيت إيطاليا خارج المونديال.
أمّا رامي شعبان، حارس منتخب السويد سابقاً، فقد تواصل معه مسؤولو المنتخب المصري في مطلع الألفينيات، ثم انقطع التواصل فلم يجد أمامه سوى عرض منتخب السويد التي نشأ بها، إذ ولد لأب مصري وأم فنلندية. واشتهر شعبان باللعب لأندية كبيرة أهمها أرسنال الإنجليزي.
كيف تقنع لاعباً أوروبياً بالانضمام لمصر؟
لكن يبقى السؤال، كيف يمكنك أن تجذب لاعباً تأسس في أوروبا، وينتظر استدعاء منتخب البلد التي عاش فيها؟ يرى الناقد الرياضي حسين حمدي أن اللاعبين مزدوجي الجنسية لا ينظرون فقط إلى فرصة المشاركة، بل أيضاً إلى وضوح المشروع الفني، والاستقرار، وطريقة التعامل معهم.
يقول حمدي لـ"اندبندنت عربية"، إن هناك تحديات في جذب هؤلاء اللاعبين، أبرزها المنافسة مع اتحادات أوروبية تمتلك إمكانات كبيرة، وضرورة التواصل مع اللاعبين في سن مبكرة، وأهمية بناء الثقة مع اللاعب وأسرته وتوضيح دوره داخل المنتخب.
وأكد الناقد الرياضي أن مصر تأخرت في البحث عن مواهبها في الخارج نتيجة عدم وجود قاعدة بيانات أو شبكة كشافين تتابع اللاعبين من أصول مصرية في الأكاديميات الأوروبية، بينما كانت دول مثل المغرب والجزائر وتونس تمتلك لجاناً متخصصة لهذا الملف، إضافة إلى اعتماد المنتخبات المصرية تاريخياً على لاعبي الدوري الممتاز، وبخاصة مع نجاحات أجيال سابقة مثل جيل حسن شحاتة في الفترة من 2006 وحتى 2010، مما قلل الاهتمام بالبحث عن مواهب في الخارج. وأسفر التأخر المصري عن التحاق عديد من اللاعبين مزدوجي الجنسية بالفعل بمنتخبات الفئات السنية لدول أوروبية قبل أن يبدأ التواصل المصري، وهو ما جعل إقناعهم بتغيير تمثيلهم أكثر صعوبة.
لكن الأمر لا يخلو من صعوبات أخرى، إذ أشار مدير المنتخب المصري السابق محمد غرابة في عام 2023 أن الجهاز الفني بقيادة روي فيتوريا يتواصل مع 45 لاعباً مصرياً في أوروبا، لكن آباء بعض اللاعبين يفضّلون أن يمثّل أبناؤهم منتخبات أوروبية كبرى، مما يجعل المفاوضات طويلة ومعقدة في حالات عديدة.
تواجه مصر تحديات في جذب هؤلاء اللاعبين للانضمام إلى المنتخب الوطني (رويترز)
يستحضر كثير من المتابعين في مصر تجربة المغرب نموذجاً يُحتذى به في هذا الملف، بعدما تحول اللاعبون مزدوجو الجنسية إلى الغالبية العظمى في تشكيلة "أسود الأطلس"، إذ نجحت الرباط في إقناع نجوم كبار مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش ونصير مزراوي بتمثيلها بدلاً من منتخبات وُلدوا أو تكونوا فيها مثل فرنسا وهولندا، بعدما وجدوا في المشروع المغربي بيئة احترافية جاذبة، على حد تعبير زياش الذي برر اختياره بأنه قرار "بالقلب لا بالعقل".
وبرز في الأعوام الأخيرة تجارب دول اعتمدت بصورة شبه كاملة على أبنائها المهاجرين أو الجيل الثاني والثالث من مواطنيها في الخارج لبناء منتخبات قادرة على المنافسة رغم إمكاناتها المحدودة محلياً. الحالة الأبرز هي إندونيسيا، التي راهنت خلال العامين الأخيرين على شتات مواطنيها في هولندا، المستعمرة السابقة للبلاد، فضمت قوائمها ما يصل إلى 14 لاعباً من مواليد هولندا، بعدما جرى تجنيسهم بصورة مكثفة، وهو ما ترجم إلى تجاوز مرحلة المجموعات في كأس آسيا، وبلوغ نصف نهائي كأس آسيا تحت 23 سنة.
وفي كأس العالم الأخيرة برز منتخب كوراساو، الجزيرة الكاريبية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 160 ألف نسمة، حيث ضمت قائمة كوراساو في مونديال 2026 نحو 25 لاعباً من أصل 26 وُلدوا في هولندا واستفادوا من الوضع القانوني الخاص للجزيرة داخل المملكة الهولندية، بقيادة المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، لتخرج من مجموعة ضمت ألمانيا وكوت ديفوار والإكوادور بأول نقطة في تاريخها عبر تعادل تاريخي أمام الإكوادور.
غير أن نجاح هذه الجهود مرهون باستمرارية العمل المؤسسي وتوفر الرؤية الفنية الواضحة، كما أن المنافسة مع منتخبات أوروبية قوية تظل عقبة رئيسية. ومن المرتقب أن تعيد اللجنة تشكيلها قريباً لتفعيل دورها، خاصة مع اهتمام المدرب حسام حسن بالمتابعة الميدانية للاعبين المصريين في الخارج. وتجربة المغرب في استقطاب مزدوجي الجنسية تظل نموذجاً ناجحاً سعت مصر للاستفادة منه.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.