بعد أن عزز ليونيل ميسي مكانته الأسطورية بفوزه بلقب كأس العالم 2022 في قطر، يتطلع الأرجنتينيون، الذين يغمرهم الفوز المثير على إنجلترا، إلى "لمس السماء" مرة أخرى عندما يواجهون إسبانيا في نهائي مونديال 2026 يوم الأحد في نيوجيرسي.

وتعيش الأرجنتين حالة من الترقب والحماس غير المسبوقين قبل المباراة النهائية التي تجمع منتخبين عريقين.

صحيح أن الحلم المطلق سيكون الاحتفاظ باللقب العالمي ووضع النجمة الرابعة على قميص المنتخب الوطني، لكن الأرجنتينيين مستعدون للاحتفال الأحد بجيل استثنائي مهما كانت النتيجة.

وتجاوزت حماسة الشارع الأرجنتيني حتى ما شهدته البلاد خلال شهر كروي مجنون أصابها بالشلل تقريباً، حيث ازدانت بوينوس آيرس بالأبيض والأزرق السماوي، وامتلأت بصور اللاعبين والأعلام في كل زاوية: من واجهات المحال إلى المباني الحكومية والشرفات والسيارات وحتى دراجات التوصيل.

وفي بلد تنتشر فيه الجداريات التي تمجد مارادونا، مع تزايد صور ميسي أيضا، تنظم مدن وأحياء مبادراتها الخاصة، من «بانديراسو» (تجمع احتفالي حول العلم) أو لقاءات أخرى للتعبير عن دعم المنتخب الوطني من بعيد.

وفي روزاريو، مسقط رأس القائد ميسي الذي لا يعرف معنى للتقدم بالعمر رغم أعوامه الـ39، تجمع مشجعون تحت قميص عملاق بطول 22 متراً، مرفوع بواسطة رافعة، يحمل الرقم 10 وعبارة «شكراً ليو، أنت أسطورة».

أما في مدينة باتان الصغيرة الواقعة على بعد 400 كيلومتر جنوب العاصمة، فقد نشر السكان علماً عملاقاً يبلغ طوله كيلومتراً واحداً، تمت خياطته يدوياً على مدى أسابيع.

وبينما يبني المشجعون تفاؤلهم على "الغرينتا" – الروح القتالية والصمود التي أظهرها الفريق – لا يخلو حديثهم من الخرافات والتشاؤم الوقائي.

فالبعض يرفض حتى التحدث عن المباراة خشية «موفا»، أي العين الحاسدة التي تؤخذ هناك على محمل الجد فيما يتعلق بكرة القدم.

وقال دانيال كونتي، التاجر البالغ 55 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أرى انتصاراً كاسحاً، بل كاسحاً بشكل لم نشهده من قبل! لدي شعور بأننا سنشهد استعراضاً حقيقياً».

وأضاف كونتي: «هذا المنتخب يلعب بالحماسة نفسها التي يلعب بها أطفال الملاعب الترابية وملاعب الأحياء... إسبانيا فريق قوي ويتمتع بأسلوب لعب ثابت، لكنها لا تملك هذا التعطش».

وقاطعه غابريال سوسا، الكهربائي البالغ 63 عاماً، قائلاً من دون مزاح: «أنا لا أتحدث إطلاقاً عن يوم الأحد، ولا أنطق باسم الشيء الذي نحلم به»، مضيفاً: «لا نختبر الأقدار! فما زال هناك طريق يجب قطعه والتحدي كبير».

حتى الرئيس خافيير ميلي أعلن أنه، بدافع الخرافة، لن يسافر إلى الولايات المتحدة لحضور النهائي، وسيشاهده، كما فعل منذ بداية كأس العالم، في قاعة العرض داخل المقر الرئاسي في أوليفوس، الضاحية الشمالية لبوينوس أيرس.

ورداً على سؤال من صحافي في إذاعة «إل أوبسرفادور» الخميس عما إذا كان سيتوجه إلى الولايات المتحدة، أجاب ميلي بحزم: «كلا، على الإطلاق. سأواصل مشاهدة المباريات من أوليفوس كما فعلت منذ اليوم الأول».

وعندما سأله الصحافي إن كان ذلك بمثابة «كابالا» (طقس تفاؤلي أو عادة يُعتقد أنها تجلب الحظ)؛ في إشارة إلى الطقوس التي يوليها الأرجنتينيون أهمية كبيرة ويسعون إلى تكرارها، خصوصاً في كرة القدم، حتى لا تنكسر سلسلة الحظ أو الانتصارات، أجاب ميلي باقتضاب «نعم».

غير أن الأمر لا يقتصر على الخرافة، بل يشمل أيضاً الحذر السياسي. فمن الصعب، بل وربما من غير المجدي سياسياً، الاقتراب أكثر من اللازم من الملك ميسي والمنتخب الوطني، وهما من المواضيع النادرة، إلى جانب جزر فوكلاند، التي توحد الأرجنتينيين.

ولهذا السبب، تعهد ميلي بأن السياسة «يجب ألا تصادر فرحة الأرجنتينيين»، أو «نجاحاً يعود إلى هذه المجموعة الاستثنائية من اللاعبين».

لكن إذا أراد الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم ذلك، فإن «كاسا روسادا» (القصر الرئاسي) سيكون متاحاً «وخالياً»، أي في غياب ميلي، لتحية محتملة من أفراد «ألبيسيليستي» من الشرفة المطلة على ساحة مايو (أيار) الشهيرة.

كما كانت الحكومة تدرس إمكانية إعلان يوم الاثنين عطلة رسمية، أياً ما كانت النتيجة، تحسباً للحماس الذي سيرافق العودة بلقب عالمي رابع أو البقاء عند لقب ثالث.

وفي عام 2022، حظي أبطال العالم باستقبال استثنائي، إذ احتشد ما بين أربعة وخمسة ملايين شخص على طول مسار الحافلة بين مقر الاتحاد الأرجنتيني ووسط بوينس أيرس، لمسافة 32 كيلومتراً.

الحشد في حينها كان هائلاً وغير مسبوق في ذاكرة الأرجنتينيين، إلى درجة شل حركة حافلة اللاعبين التي اضطرت إلى التخلي عن مسيرتها بعد أن احتاجت إلى أربع ساعات لتجاوز بضعة كيلومترات فقط.

وانتهى الموكب يومها... بمروحية حلقت فوق الجموع المحتشدة في وسط المدينة.

وكثيرون، بل ربما مئات الآلاف من الأرجنتينيين، سيتوجهون مجدداً الاثنين إلى الشوارع.

وقال دانيال سالسيدو، وهو عامل صيانة يبلغ 36 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الغالبية الكبرى، وأنا منهم، ستذهب لاستقبالهم بسبب ما حققوه بالفعل»، في إشارة إلى لقبين في بطولة كوبا أميركا منذ 2021، والتتويج بكأس العالم، و... الفوز على إنجلترا.

وأضاف: «أشعر بالفخر، وقبل كل شيء أشعر بأنهم يمثلونني. لن يغير شيئاً إذا فازوا أو خسروا».

من جهته، قال شقيقه نستور: «إذا فازوا فسنلامس السماء مجدداً، وإذا خسروا فسيكون الأمر مؤلماً، لكن الاحترام والامتنان سيبقيان كما هما».

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

ويرى المراقبون أن هذه المباراة تمثل تتويجاً لجيل ذهبي في الكرة الأرجنتينية بقيادة ميسي. وفي حال الفوز باللقب، ستصبح الأرجنتين أول منتخب يحتفظ باللقب منذ البرازيل عام 1962. أما الهزيمة، فستهيئ الأرضية لمرحلة انتقالية بعد اعتزال ميسي المرتقب.