ملخص

يؤكد علم الرياضة في كأس العالم هذا العام تحديداً أن الفرق التي تفوز بالمنافسات هي الفرق التي تحسن تقدير عامل الإرهاق وتكتسب القدرة على تكييف تكتيكاتها مع مثل هذه العوامل. كما أن المعلومات التي بذل باحثون جهداً كبيراً للوصول إليها وتوفيرها لنا لا تفيد إلا عندما يستطيع الناس تفسيرها، وعندما تكون لديهم القدرة على التصرف بمقتضاها عملياً وفي الوقت المناسب وقبل أن يتفاقم الوضع كثيراً.

ما يقدمه علم الرياضة عن الإرهاق في لعبة كرة القدم ومنافسات كأس العالم 2026 ليس مجرد معلومات قيمة يمكن تطبيقها في المباريات، إذ لها فوائد كثيرة أخرى من الممكن أن تستخدم في حياتنا اليومية.

وفي أماكن العمل تحديداً، تزيد معرفة بعض المعلومات الرياضية وتطبيقها بصورة صحيحة، من إنتاجية الموظف بالطريقة ذاتها التي تزيد بها إنتاجية الفرق الرياضية واللاعبين على أرض المستطيل الأخضر. لكن هذه المعلومة الرياضية وتطبيقاتها قد لا تكون متوافرة لموظف في شركة أو عامل في الرعاية الصحية بالوفرة ذاتها المقدمة إلى لاعب كرة القدم المحترف، ولذلك وجه علماء الرياضة وعلماء نفس وأكاديميون أخيراً بضرورة نشر المعلومة الرياضية في أماكن العمل، فمعرفة مثل هذه المعلومة مهم جداً في حياتنا اليومية كما هي الحال خلال منافسات كأس العالم. وفي مونديال هذا العام تحديداً، أكد علم الرياضة أن الفرق التي تفوز بالمنافسات هي الفرق التي أحسنت تقدير عامل الإرهاق والتي تكتسب القدرة على تكييف تكتيكاتها مع مثل هذه العوامل غير المألوفة ومن بينها ارتفاع درجات الحرارة.

إدارة الإرهاق

ما يمكن أن تعلمنا إياه لعبة كرة القدم والتنافس في مباريات كأس العالم لكرة القدم كثير، وأهم تلك الدروس المشتركة بين الرياضيين والموظفين تعلم إدارة الإرهاق في الظروف القاسية. فالإرهاق ليس حالة واحدة، ولذلك يميز علم الرياضة بين أنواع الإرهاق المختلفة التي تصيب اللاعبين، فيما ينطبق المبدأ نفسه خارج نطاق الرياضة، إذ قد يضطر سائقو التوصيل والممرضون والمعلمون ومقدمو الرعاية والطهاة والبناؤون وعمال النظافة إلى التفكير والتحرك واتخاذ القرارات أثناء العمل في ظروف صعبة أيضاً.

ويقول أكاديميون من جامعات حول العالم إن بطولة كأس العالم للرجال 2026 جعلت تجاهل الإرهاق وأثره في ميادين الحياة وعلى أرض الملعب أمراً صعباً، إذ تقام بعض المباريات في أجواء حارة ورطبة، بينما يقع ملعب "أزتيكا" في مكسيكو سيتي على ارتفاع يزيد على 2200 متر فوق سطح البحر. فالحرارة والارتفاع يجعلان ممارسة الرياضة غير مريحة، كما أنهما يغيران طريقة عمل الجسم والعقل تحت الضغط. والذي يحدث في مثل هذه المواقف الحرجة هو أن حرارة الجسم تجبر اللاعب على بذل جهد أكبر للحفاظ على استقرار درجة حرارته الداخلية، فيما تزيد الرطوبة من الإجهاد لأن العرق لا يتبخر بسهولة، مما يصعب عملية التبريد. أما عند اللعب في المرتفعات، فإن انخفاض ضغط الهواء يعني وصول كمية أقل من الأوكسجين إلى الدم والعضلات. ويمكن لهذه الظروف مجتمع أن تؤثر في القدرة على التحمل، بالتالي تمنع التعافي بين فترات الجري السريع، وتعوّق أو تشل التركيز واتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، كتب أستاذ علم النفس الرياضي في جامعة ولفرهامبتون أندرو لين والأستاذ المشارك في علوم الرياضة والتمارين بكلية التربية والصحة والرفاهية لدى الجامعة ذاتها روس كلوك، مقالة مشتركة تحت عنوان "ما يمكن أن تعلمنا إياه مباريات كأس العالم لكرة القدم حول إدارة الإرهاق في الظروف القاسية"، نُشرت على موقع بريطاني أول من أمس الخميس، وجاء فيها حول الارهاق الذي يصيب لاعب كرة القدم والموظف، أن "الإرهاق ليس حالة واحدة. ويتميز علم الرياضة بقدرته على التمييز بين أنواع الإرهاق المختلفة لأن الأداء الرياضي يعتمد على معرفة مكامن الخلل. ويؤكد بحثنا على هذه النقطة تحديداً. فهل يتباطأ الرياضي بسبب إرهاق العضلات، أو ارتفاع معدل ضربات القلب، أو ارتفاع درجة حرارة الجسم، أو قلة النوم، أو تراجع التركيز؟".

لاعب_يستخدم_كمادة_ثلج_خلال_استراحة_في_مباراة_إنجلترا_وغانا_الصورة_من_مواقع.jpg

لاعب منتخب إنجلترا ريس جميس يستخدم كمادة ثلج خلال استراحة في المباراة مع غانا (مواقع التواصل)

درس مفيد للجميع

وأياً كانت الإجابة عن مثل هذه التساؤلات، فإن النتيجة التي خرج بها الباحثان حول الإرهاق سواء بالنسبة إلى الرياضي في أرض الملعب أو العامل في مكان وظيفته، كفيلة بلفت انتباهنا إلى خطورة هذه المفارقة. ولذلك يضيف الباحثان، "هنا يقدم لنا عالم الرياضة درساً مفيداً للجميع. فالجري أو الالتحام أو التمرير أو اتخاذ القرار نفسه قد يبدو أصعب بكثير عندما يعاني الجسم أيضاً من الحرارة أو الرطوبة أو انخفاض كثافة الهواء". ويشير لين وكلوك إلى أن الأبحاث التي أجريت على لاعبي كرة القدم تظهر أن "التعرض للحرارة يمكن أن يقلل من الأداء البدني والمعرفي".

خارج نطاق الرياضة

يمكن تطبيق المبدأ نفسه خارج نطاق الرياضة، إذ ينظر إلى الإرهاق أحياناً على أنه ضعف أو نقص في الحافز. لكن الإرهاق عادة ما يكون أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق أكد الباحثان أن أفضل طريقة لفهم الإرهاق على أفضل وجه هي من خلال الجمع بين علمين هما علم النفس وعلم وظائف الأعضاء. ويتطلب ذلك وفق الباحثين أيضاً معرفة كيفية عمل الجسم مع النظر إلى دور الطب وعلم الأعصاب لدراسة الدماغ والجهاز العصبي. فالإرهاق يظهر بوضوح عندما يصدر الجسم إشارات إلى أن الجهد المبذول في العمل أو الملعب أصبح عالياً جداً، والخطر أن ذلك يحدث بينما لا يزال الشخص الرياضي أو الموظف راغباً أو يحتاج إلى الاستمرار في العمل. وهنا يكمن الفارق الذي يصب في مصلحة الرياضة، فهذا الأمر مفهوم جيداً للاعب كرة القدم المحترف وفريق عمله. وعادة لا يطلب المدربون من اللاعبين بذل جهد أكبر في الظروف القاسية، بل إنهم يخططون لإزالة الإرهاق والتعافي منه بالترطيب والتبريد وإزالة الملابس واختيار التوقيت المناسب لتجاهل علامات التحذير، فيما يكون المطلوب هنا تطبيق المبدأ الرياضي ذاته مع الموظف ضمن مكان عمله.

مهارات نفسية

يقدم الباحثان إشارة علمية جديدة إلى طبيعة الفارق الكبير بين ما يحدث مع لاعب كرة القدم في الملعب والموظف أو العامل خارجه. فلاعب كرة القدم يدرب على مهارات نفسية عدة متعلقة بهذا النوع الخطر من الإرهاق، إذ يتعلم اللاعبون كيفية تنظيم الجهد والتحكم في الانتباه وإدارة المشاعر واستخدام الحديث الذاتي الإيجابي حول هذه الحالة الرياضية. وتساعدهم هذه المهارات في تحديد ما إذا كان الشعور "مجرد إزعاج متوقع، أو إشارة للتكيف، أو علامة تحذير". وهذه الخبرة في التمييز بين الأعراض وفق الأكاديميين هي من يحدد الأداء الجيد للاعب كرة القدم، "خصوصاً حين يشعر اللاعب بثقل في الساقين، وتسارع في ضربات القلب، وعدم الراحة في الحر أو على ارتفاعات عالية".

عدم الراحة أو الخطر

لكن الشعور بعدم الراحة يختلف عن الخطر، ووفق الدراسة ذاتها فإن "الدوار والتشوش والغثيان والترنح، أو الشعور بالإغماء، كلها علامات تحذيرية، وليست علامات مشجعة على الاستمرار في بذل الجهد". ولذلك ينوه علماء الرياضة إلى أن السر يكمن في معرفة اللاعب متى يجب الاستمرار ومتى يجب التوقف لتهدئة الجسم وطلب المساعدة. فعادة ما يكون الرياضيون الذين يلعبون في ظروف صعبة قد استعدوا، وقد يراقب الطاقم الطبي وزن الجسم وفقدان العرق والنوم والحال المزاجية وآلام العضلات وبيانات الجري. وقد يستخدم اللاعبون مناشف التبريد والمشروبات الباردة وأماكن الاستراحة المظللة وخطط تنظيم الجهد والتدريبات الذهنية للتخلص من خطر الإرهاق الشديد.

اقرأ المزيد

وعلى رغم ذلك يظل الإرهاق في بعض الأحيان حاضراً، خصوصاً إذا ما ذهبت المباراة إلى وقت إضافي، فهذا يشكل ما يسميه علم الرياضة "طبقة أخرى من الإرهاق". وفي هذه الحالة فحتى الفريق الذي ينجو من الوقت الإضافي ويفوز، فإنه سيحمل معه هذا العبء البدني والنفسي إلى المباراة التالية.

دروس تتجاوز كرة القدم

عبر هذا الشرح عن الإرهاق المؤدي إلى إجهاد خطر تبرز أهمية عكس مثال كرة القدم على مجالات أخرى غير الرياضة، فالدرس هنا أن ليس على الإداري مطالبة الرياضي أو الموظف التحلي بالصلابة في كل مرة، بل في تقدير "متى يكون الجهد مفيداً للعمل، ومتى يكون مكلفاً أكثر"، والأهم من ذلك إدراك "متى يصبح العمل غير آمن". ففي الرياضة قد يعني الإجهاد ضرورة الحفاظ على الهدوء عندما يصرخ الجسم طلباً للتوقف. "وفي سياقات أخرى، قد يعني ذلك قيام ممرضة بإنهاء رعاية طارئة، أو قيام رجل إطفاء بإنقاذ شخص ما، أو قيام عامل بإتمام مهمة لا يمكن التخلي عنها بأمان".

أماكن العمل والإنتاجية

يؤكد العلم أن للجهد المبذول تحت عامل الأرهاق ثمناً لا بد من دفعه. وإذا كان الرياضيون يعرفون ذلك جيداً، فإن كثيراً من العمال والموظفين المعرضين بدورهم للخطر ذاته خارج المستطيل الأخضر، لا يعرفون كثيراً عن هذا الأمر، لأنهم غير مدربين على ذلك مثل الرياضيين المحترفين. أما الأهم هنا، فهو أن الرياضي الذي يعرف كيف يتعامل مع هذه الحالة جيداً، يعلم أيضاً أن "الجهد الإضافي" يجب أن تتبعه فترة نقاهة كافية وتشمل تبريد الجسم وشرب السوائل وتناول الطعام والنوم وتخفيف التدريبات ومراقبة الجسم. كما أنه من المعلوم للرياضيين أنه لا يجوز تجاهل الجهد المبذول بمجرد انتهاء المنافسة. لذلك يؤكد الباحثان أنه "ينبغي على أماكن العمل التعامل مع الحر بالطريقة نفسها. وإذا كان يتوقع من الأفراد العمل في ظروف تحاكي ظروف الرياضيين، فإن المؤسسات بحاجة إلى تخطيط مماثل".

لاعب_كرة_القدم_المحترف_مدرب_جيدا_على_التخلص_من_الارهاق_الصورة_من_وكالة_الأنباء_الفرنسية.png

تدابير عملية

تُعد التدابير العملية العاجلة والفورية للتأقلم مع مشكلة الإرهاق مفيدة للغاية، إذ يمكن للرياضي أو الشخص الذي يعمل في الحر أن يشرب الماء قبل أن يشتد عطشه أو أن يلجأ إلى الظل فوراً، أو أن يخفف من وتيرة العمل كلما أمكن.