شهدت بطولة كأس العالم 2026، المقامة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا والقاربة على نهايتها، العديد من اللحظات المثيرة والتغييرات، في مقدمتها رفع عدد المنتخبات إلى 48، غير أن أكثر ما أثار الجدل هو فترات التوقف الإلزامية لشرب المياه لمدة ثلاث دقائق في كل شوط.

ويأتي هذا الإجراء في إطار جهود الفيفا للتكيف مع الظروف المناخية الحارة التي قد تؤثر على سلامة اللاعبين.

وقد أدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ما يُسمى بـ "استراحة ترطيب" خلال البطولة، كإجراء احترازي لمواجهة موجات الحر المتوقعة، حيث يُوقف اللعب ثلاث دقائق في منتصف كل شوط.

هذا الإجراء الجديد الذي قُدم بحجة حماية صحة اللاعبين، أثار امتعاضًا من قبل عدد من نجوم الكرة واللاعبين لأنه يقطع وتيرة اللعب من جهة، ولطابعه التجاري من جهة أخرى.

توقفات مألوفة في أمريكا

وتعد هذه التوقفات مألوفة في الولايات المتحدة كونها معقلاً لألعاب مثل البيسبول وكرة السلة وكرة القدم الأمريكية، إذ تتيح للجهات الناقلة مزيداً من الفواصل الإعلانية وبالتالي إيرادات إضافية، إلا أنها في كرة القدم، اصطدمت بحساسية عشاق اللعبة الشعبية الأولى في العالم غير المعتادين على هذه الأمور.

وحسب شبكة سكاي سبورت فإن الفيفا قدم هذا الإجراء الجديد بحجة حماية صحة اللاعبين إلا أنه بات بمثابة الكنز أمام شبكات البث لتحقيق مكاسب مالية هائلة عبر استغلال هذه الدقائق الست الإضافية لبيع إعلانات تجارية في أوقات الذروة.

وفي تقرير لها قالت شبكة ESPN إن فترات الترطيب تُطبق بغض النظر عن درجة الحرارة، مما أدى إلى انتقادات واسعة النطاق حول تأثيرها على مجريات المباراة. علاوة على ذلك، قسمت هذه الفترات المباراة فعليًا إلى أربعة أشواط، على غرار دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين (NBA) أو دوري كرة القدم الأمريكية للمحترفين (NFL)، وهو أمر مفيد نظرًا لأن غالبية مشجعي الرياضة في الدول المضيفة يتابعون رياضاتهم بهذه الطريقة، كما أنها تتيح للمعلنين جني عائدات إعلانية مجزية لمدة ثلاث دقائق في منتصف كل شوط.

عوائد إعلانية ضخمة

وصرّح مايكل جونسون، محلل أبحاث صناعة الرياضة الأمريكية في شركة S&P Global، لوكالة رويترز بأن فترات الراحة لشرب الماء لمدة ثلاث دقائق تُدر عوائد مالية حقيقية خلال البطولة التي تضم 104 مباريات، وأضاف أن التوقف عن اللعب يمكن أن يكون "ذا قيمة للغاية ويمكن أن يحقق أسعارًا مماثلة لأسعار مباراة السوبر بول في نطاق يتراوح بين 7 إلى 9 ملايين دولار".

ورغم دفاع جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي "الفيفا" عن إدخال فترات استراحة الترطيب، وهي فترات توقف لشرب السوائل في كأس العالم لكرة القدم، وإصراره على أن الدافع من ورائها رياضي بحت ولا يمت للمصالح التجارية بصلة، إلا أن بعض الخبراء والمحللين أشاروا إلى عكس ذلك تمامًا.

وقال البعض إنه في البداية، عندما كانت تُعلن فترات الراحة لشرب الماء، كان يُظهرون المدرب وهو يتحدث مع اللاعبين؛ أما بعد ذلك، فقد أصبحت جميعها فترات استراحة إعلانية، مما يعني أن هناك غرضًا مختلفًا وراءها.

نقطة تحول في مستقبل اللعبة

السؤال الآن، هل تقتصر تلك التوقفات وعوائدها الإعلانية على كأس العالم فقط أم أنها ستمتد إلى بقية مسابقات اللعبة الأكثر شعبية حول العالم؟

بالنسبة للاتحاد الأوروبي "يويفا" فقد رفض فترات استراحة لشرب المياه في دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، بعد أن قال معارضون إن هذه التوقفات في كأس العالم تؤثر على إيقاع المباريات وتُستخدم من قبل المدربين لإجراء تعديلات تكتيكية.

وحسب ما ذكره يويفا لشبكة "إيه آر دي" فإن فترات التوقف لشرب المياه في دوري الأبطال لن تحدث إلا عند وجود درجات حرارة مرتفعة جدًا.

كما أكدت رابطة الدوري الألماني "بوندسليغا" أنه لا توجد خطط لتطبيق استراحات شرب المياه، إلا عند الضرورة بسبب الطقس الحار.

ورغم رفض اليويفا إلا أن اتحاد أمريكا الجنوبية لكرة القدم قرر اعتماد فترات توقف لمدة 90 ثانية لشرب الماء في بطولتي كوبا ليبرتادوريس وكوبا سود أمريكانا اعتبارًا من عام 2026.

وفي ظل هذه الحالة ما بين الرفض والتطبيق، قد تتحول فترات الترطيب إلى نقطة تحول اقتصادية مهمة في مستقبل اللعبة خلال بطولات مقبلة بعدما أثبتت في كأس العالم 2026 أنها ذات فائدة على مستوى العوائد بشكل كبير، مما يعني أن وجه كرة القدم المعتاد على موعد مع التغيير خلال الفترة المقبلة.

وتفتح هذه التجربة الباب أمام تساؤلات حول مستقبل قوانين اللعبة، إذ قد تمهد الطريق لإدخال فترات توقف إعلانية في المسابقات الكبرى الأخرى، خاصة مع الضغوط التجارية المتزايدة. ويبقى موقف الفيفا والاتحادات المحلية من تعميم هذه الممارسة غير واضح، لكنه سيكون محط متابعة دقيقة.