مونديال التاريخ… عندما واجهت إسبانيا ظلال إمبراطوريتها القديمة
يرتبط في أذهان كثيرين تعبير «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» ببريطانيا الفيكتورية التي بسطت نفوذها مع مطلع القرن الـ20 من كندا إلى هونغ كونغ، لكن...
على الرغم من شيوع اقتران مقولة «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» ببريطانيا العظمى إبان العصر الفيكتوري، إلا أن الجذور التاريخية لهذا التوصيف تعود إلى نفوذ التاج الإسباني في بدايات القرن العشرين، حين امتدت سلطة بريطانيا من كندا وصولاً إلى هونغ كونغ.
تتداخل سرديات الجغرافيا السياسية مع الأحداث الرياضية الكبرى بشكل متكرر، حيث تحول الملاعب في بعض الأحيان إلى مساحة لاستحضار الصراعات التاريخية والتفاعلات الدبلوماسية بين الدول.
لكن الحقيقة التاريخية تعيد صياغة الحكاية، فالعبارة صاغها الدبلوماسي الإيطالي جيوفاني باتيستا غواريني عام 1585، واصفاً بها الإمبراطورية الإسبانية التي «لا تغيب عنها الشمس... حتى حين يحل الظلام».
خلال حكم الإمبراطور شارل الخامس وما تلاه من حقبة آل هابسبرغ، بسطت مدريد سيطرتها على شعوب تغطي جميع قارات العالم عدا القارة القطبية، معتمدة على جيوش ضخمة وأساطيل بحرية من طراز «الكارافيل» و«الجليون» لتصل نفوذها من بيرو وحتى الفلبين.
اليوم، وبعد قرون من الأفول، عادت تلك الجغرافيا القديمة لتجسد مفارقة مدهشة في «كأس العالم لكرة القدم 2026»، فبفضل ضربات الحظ والصدف البحتة التي حملتها قرعة مرحلة المجموعات والأدوار الإقصائية، وجد لاعبو منتخب «الماتادور» أنفسهم في مواجهة مباشرة مع منتخبات تمثل شعوباً خضعت يوماً للتاج الإسباني، في سيناريو درامي لم يخرج عنه سوى مواجهتي فرنسا والمملكة العربية السعودية.
بدأت الرحلة الإسبانية بمواجهة الرأس الأخضر (كاب فيردي)؛ الأرخبيل الأفريقي الذي استعمره البرتغاليون أولاً، قبل أن تبتلع إسبانيا البرتغال وممتلكاتها عام 1580 فيما عرف بـ«الاتحاد الإيبيري».
وبعد عبور محطة السعودية، ضربت إسبانيا موعداً مع أوروغواي في مدينة غوادالاخارا المكسيكية.
تاريخياً، كانت أوروغواي خاضعة لنظام «نيابات الملك الإسباني» وتحديداً تحت إدارتي بيرو وريو دي لا بلاتا، وذلك قبل أن تنال استقلالها في عام 1810.
لكن المباراة لم تكن مجرد كرة قدم، بل خيمت عليها ظلال إرث الاستعمار في المكسيك البلد المضيف. فقبل سنوات، وتحديداً في عام 2019، طالب الرئيس المكسيكي آنذاك آندريس مانويل لوبيز أوبرادور الملك الإسباني فيليبي السادس باعتذار رسمي عن فظائع الغزو الإسباني في القرن الـ16.
وقوبل الطلب برفض مدريد؛ مما أشعل فتيل أزمة دبلوماسية امتدت إلى عهد خليفته الرئيسة المكسيكية الحالية كلاوديا شينباوم، التي كسرت البروتوكول ولم تَدعُ العاهل الإسباني لحفل تنصيبها في عام 2024.
إلا إن الرياضة والفن يمهدان دائماً لطرق العودة، ففي لفتة تقارب غير متوقعة مطلع هذه السنة خلال معرض للفنون المكسيكية في مدريد، أقر الملك فيليبي بالتجاوزات والجدل الأخلاقي الذي رافق الغزو الإسباني، قائلاً: «ثمة أشياء، عندما ندرسها بمقاييس قيمنا الحالية، لا يمكنها بكل تأكيد أن تجعلنا نشعر بالفخر».
هذه الكلمات مهدت الطريق لانفراجة دبلوماسية تجسدت قبيل المباراة، حيث استغل الملك توقفه في مكسيكو سيتي ليلتقي الرئيسة شينباوم، في خطوة عُدّت نهاية 7 سنوات من الفتور والتوتر الدبلوماسي.
وتوالت فصول الرواية التاريخية في المونديال، حيث تفوقت إسبانيا على النمسا التي حكمها شارل الخامس يوماً، ثم واجهت الجارة اللدود البرتغال؛ البلد الذي تأسست هويته الحديثة على مقاومة الأطماع التوسعية لمدريد، وهي مخاوف لم تكن واهية؛ إذ شنت إسبانيا 6 غزوات شاملة ضد جارتها الغربية عبر التاريخ، بل إن الديكتاتور الإسباني فرنكو كان يخطط عام 1974 لإرسال قواته إلى لشبونة لإخماد «ثورة القرنفل» اليسارية.
اليوم، تلاشت مخاوف الضم وحلت مكانها علاقات الصداقة، وإن لم تخل الأجواء من المكائد الساخرة؛ إذ رسم رسامو كاريكاتير إسبان الملك فيليب الثاني فاتح البرتغال سنة 1580 وهو يقتاد كريستيانو رونالدو خارج الملعب على كرسي متحرك بعد هزيمة البرتغال.
وفي دور الـ8، اصطدم منتخب إسبانيا بنظيره البلجيكي، أو ما كانت تُعرف بين عامي 1556 و1714 بـ«الأراضي المنخفضة الإسبانية».
هناك، دفع القمع الإسباني الكاثوليكي للحركات البروتستانتية إلى اندلاع «حرب الـ80 سنة»، وهي المواجهة التي حُفرت في الوجدان البلجيكي وجسدتها تماثيل الكونت «إغمونت» والكونت «هورن» في بروكسل بوصفهما بطلَين قوميين أعدمهما الإسبان.
والمفارقة الطريفة هنا أن اللقب الحالي لمنتخب إسبانيا؛ «الغضب الإسباني (الفوريا إسبانيولا)»، يعود أصله تاريخياً إلى تلك الحقبة الدموية بالذات! فاللقب صيغ لوصف الفظائع والاضطرابات التي ارتكبها الجنود الإسبان المتمردون بسبب تأخر أجورهم في مدن مثل ميشيلين وأنتويرب في سبعينات القرن الـ16.
وبعد ترويض المنتخب البلجيكي، التقت إسبانيا فرنسا، الدولة الأوروبية الوحيدة التي نجحت تاريخياً في حكم إسبانيا القارية، عندما اجتاح نابليون بونابرت شبه الجزيرة الإيبيرية عام 1808 ونصب شقيقه جوزيف ملكاً عليها 5 سنوات.
هذا النفوذ الفرنسي التاريخي ترك عقدة نقص خفية في الوجدان الإسباني، الذي يرى فرنسا دائماً قوة عظمى متفوقة؛ مما يفسر حالة النشوة الجماعية العارمة التي اجتاحت إسبانيا بعد فوزهم على «الديوك» في المربع الذهبي.
وفي المشهد الختامي للمونديال خلال المباراة النهائية وجدت إسبانيا نفسها مجدداً في مواجهة مستعمَرة سابقة كبرى تتمثل في الأرجنتين التي خضعت رياضياً هذه المرة لرغبة الإسبان في إحراز لقبهم الثاني ولم تُبدِ أي مقاومة تذكر.
ورغم قرنين من الاستقلال، ورغم التوترات السياسية الحالية الراهنة بين الرئيس الأرجنتيني الليبرالي، خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، فإن روابط الدم والتاريخ بين البلدين تظل عصية على القطع.
وخلال الحرب الأهلية الإسبانية، كانت الأرجنتين الملاذ الآمن للاجئين الإسبان، وفي سنوات المجاعة اللاحقة، أرسلت حكومة خوان بيرون أطناناً من المساعدات الغذائية لإسبانيا تحت شعار إنساني بليغ: «الابن لا يتخلى عن أمه».
وفي نهاية المطاف، أُسدل الستار على المونديال بمباراة قمة اختُزل فيها التاريخ: دولتان تجمعها لغة واحدة وثقافة مشتركة قبل كل شيء، وهوس وهيام مطلق بكرة القدم يذيب كل الخلافات السياسية، ويؤكد أن الساحرة المستديرة هي «الإمبراطورية الوحيدة اليوم... التي لا تغيب عنها الشمس».
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
تُسلط هذه المواجهات الكروية الضوء على التعقيدات التاريخية التي لا تزال تُلهم العلاقات السياسية بين إسبانيا ومستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية. وبينما تُعد كرة القدم مناسبة للتنافس الرياضي، فإنها تظل مرآة للقضايا الدبلوماسية العالقة والجهود الرامية نحو طي صفحات الماضي وتجاوز تراث الحقبة الاستعمارية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.