لا ملكي ولا 9 دوري.. ولا لـ«جبر الخواطر»!
همس الحقيقة
لا ملكي ولا 9 دوري.. ولا لـ«جبر الخواطر»!
نشر المقال الساعة 00:16 من يوم 15 يوليو 2026، مع آخر تحديث في التوقيت نفسه.
يثير الإعلام الرياضي السعودي جدلاً واسعاً حول صحة بعض الروايات التاريخية المتعلقة بالأندية.
لست في خصومة مع النادي الأهلي، ولا مع جماهيره التي أكنّ لها كل الاحترام، ولا مع تاريخه الذي يبقى جزءاً من تاريخ الرياضة السعودية، لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نقف بحزم أمام بعض الإعلام المحسوب عليه، حين يتجاوز حدود التعصب الرياضي إلى العبث بالوقائع، وتحريف التاريخ، وتكرار روايات لا تسندها وثيقة ولا يدعمها دليل.
-لقد جُرِّبت كل وسائل الحوار. كُتبت المقالات، وأُبرزت الوثائق، واستُعرضت المراجع، وتحدث المؤرخون والباحثون، على أمل أن يكون الاحتكام إلى الحقيقة كافياً لإنهاء هذا الجدل. إلا أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ ازداد الإصرار على ترديد الرواية نفسها، وكأن كثرة التكرار قادرة على تحويل الخطأ إلى حقيقة.
ليست المسألة خلافاً في الآراء، فهو أمر مشروع، بل إنها محاولة الاستيلاء على الحقائق التاريخية وإثارة الشكوك حول أعمال باحثين أمضوا سنين في توثيق الرياضة السعودية وألفوا كتباً أصبحت مصادر معترفاً بها. والأسف أن هذا العمل العلمي يُقابل بحملات تشكيك بلا وثائق ولا أدلة، بل «فزعات» تسهم في تشويه التاريخ وتضليل الجمهور.
-ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يتعلق بعدد بطولات الدوري، فبعد أن ظل الجميع لعقود يتعامل مع بطولات الدوري وفق تصنيف واضح ومحدد، ظهر من يطالب برفع العدد من ثلاث بطولات إلى تسع، عبر احتساب بطولات المناطق ضمن سجل الدوري، رغم اختلاف طبيعتها ونظامها وأسلوب تنظيمها. ومهما اختلفت الآراء، فإن تغيير المسميات لا يغيّر الحقائق، كما أن احترام التاريخ يقتضي التمييز بين المسابقات، لا دمجها لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، كنوع من «جبر الخواطر»، مثلما حدث في قضية تخص ناديهم مع الليث الشبابي وقد وزعوا الاتهامات ضد رئيس نادي الشباب آنذاك وكل من وقف داعماً لكلمة الحق، رافضاً العبث بالأنظمة، ليأتي الإنصاف عبر بيان رسمي يوثق مخالفة وقعت فيها إدارة الأهلي وكان من الممكن أن يهبط الأهلي لولا ذلك الاعتذار الذي يتضمن ذلك البيان وحالة من «جبر الخواطر» أشار إليها الأستاذ تركي آل الشيخ في تصريح متلفز.
وينطبق الأمر نفسه على لقب «الملكي» المرتبط تاريخياً بنادي ريال مدريد الإسباني لأسباب معروفة. وعلى الصعيد المحلي، أصدر الاتحاد السعودي لكرة القدم برئاسة الأسبق عادل عزت، المعروف بميله الأهلاوي، بياناً رسمياً يحظر هذا اللقب، لكنه بقي يُستخدم في المدرجات وبعض الإعلام، وكأن القوانين تُطبق على الجميع إلا من يستطيع فرض الأمر الواقع تحت ذريعة «جبر الخواطر».
-ولم يتوقف الأمر عند البطولات الوهمية والألقاب المسلوبة والأهازيج المطبوخة، بل امتد إلى إعادة تفسير أحداث تاريخية موثقة، ومحاولة صناعة روايات بديلة لا تصمد أمام الوثائق. رأينا ذلك في الحديث عن هبوط الأهلي، وفي الجدل الذي أثير حول مباراة 8-2، وغيرها من الوقائع التي حاول البعض إعادة تقديمها بصورة مختلفة، رغم أن التاريخ لا يُكتب بقلب الحقائق.
-وبما أن حجتهم كانت ضعيفة، أصبح التشكيك في المؤرخين أسهل من مناقشة ما كتبوه، وأصبح الهجوم على أصحاب الوثائق بديلاً عن الرد على الوثائق نفسها. وهذه ليست ممارسة إعلامية مهنية، بل أسلوب يفتح الباب أمام فوضى تاريخية يدفع ثمنها الجميع، وليس نادياً بعينه.
-وهنا لا أُخفي استغرابي من استمرار صمت بعض الجهات ذات العلاقة، رغم أن حماية التاريخ الرياضي مسؤولية مشتركة، وأن ترك الساحة لمن يعبث بالحقائق يمنح الانطباع بأن كل رواية قابلة لأن تصبح حقيقة إذا وجدت من يكررها بما يكفي.
-إن الدفاع عن التاريخ ليس دفاعاً عن الاتحاد، ولا عن الهلال، ولا عن النصر، ولا عن الأهلي، بل دفاع عن ذاكرة الرياضة السعودية، وعن حق الأجيال القادمة في أن تقرأ تاريخاً كما وقع، لا كما أراد له المتعصبون أن يكون.
-وأقولها بوضوح: لست ضد أي نادٍ، ولسنا أوصياء على التاريخ، لكن نرفض أن يتحوّل الكذب إلى وجهة نظر فيها من التملق والتزييف، وأن يصبح التكرار وسيلة لمصادرة الحقائق، وأن يستمر الصمت بحجة المجاملة تحت بند «جبر الخواطر».
-بكل وضوح وصراحة التاريخ الرياضي لا يكتبه الأكثر صخباً، ولا تنتصر فيه الرواية الأكثر تحرفياً، وإنما تبقى الكلمة الأخيرة للوثيقة، وللحقيقة، ولمن احترم عقل المتلقي قبل أن يخاطب عاطفته.
-أخيراً وليس آخراً..صدق من قال «قد يصنع الضجيج شهرة، وقد يصنع التعصب جمهوراً، لكنه لن يصنع تاريخاً، لأن التاريخ لا يعترف إلا بالحقيقة».
تسلط المقالة الضوء على ظاهرة تعديل التاريخ الرياضي لخدمة أندية معينة، مما يهدد مصداقية الإعلام الرياضي. وتختتم بالإشارة إلى صمت بعض الجهات المسؤولة، مما يثير تساؤلات حول جدية التصدي لهذه التجاوزات. ويبقى الحل مرهوناً بتدخل رسمي لوقف تداول الروايات غير الموثقة.
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.