ملخص

يُشار إلى أنه قبل أشهر تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو ظهر فيه والد البطلة التونسية غفران بلخير وهو يوجه نداء إلى وزارة الشباب والرياضة، داعياً إياها إلى الالتفات لأبطال تونس، ومؤكداً أن ابنته تعاني الإهمال على رغم الإنجازات التي حققتها ورفعها الراية الوطنية في المحافل الدولية.

أثار إعلان الربّاعة التونسية غفران بلخير انضمامها رسمياً إلى المنتخب الألماني لرفع الأثقال جدلاً واسعاً في تونس، ليعيد للواجهة مرة أخرى ملف هجرة نخبة الرياضيين التونسيين إلى دول أخرى لتمثيل ألوانها، وسط انقسام في الآراء بين من يرى هذا القرار خيانة للوطن، ومن يعدّه نتيجة مباشرة لإهمال وزارة الشباب والرياضة للأبطال الذين مثلوا تونس ورفعوا رايتها في المحافل الدولية.

وكشفت بلخير عن هذا الانضمام عبر صفحتها الشخصية في منصة "فيسبوك"، فظهرت صورة تتضمن وثائق تحمل اسمها، فضلاً عن بطاقة تعريف وصورة شخصية، مع إشارات إلى نادٍ يُدعى "برلين" وتواريخ مرتبطة بعام 2026.

تحت راية أخرى

وكانت الرباعة غفران بلخير اختفت بصورة مفاجئة بعد ساعتين فقط من وصول بعثة المنتخب الوطني لرفع الأثقال إلى مدينة أوسلو للمشاركة في بطولة العالم خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، مما أثار في حينه كثيراً من التساؤلات حول وضعيتها وظروف مغادرتها.

وتُعد غفران بلخير من أبرز الأسماء في رياضة رفع الأثقال على المستويين الوطني والدولي، وكانت أحرزت عام 2021 الميدالية الذهبية في بطولة العالم لرفع الأثقال للشباب، لتؤكد مكانتها ضمن أفضل الربّاعات في فئتها.

ويُشار إلى أنه قبل أشهر تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو ظهر فيه والد البطلة التونسية غفران بلخير وهو يوجه نداء إلى وزارة الشباب والرياضة، داعياً إياها إلى الالتفات لأبطال تونس، ومؤكداً أن ابنته تعاني الإهمال على رغم الإنجازات التي حققتها ورفعها الراية الوطنية في المحافل الدولية.

اقرأ المزيد

ورأى النائب أحمد سعيداني أن إعلان الرباعة التونسية وبطلة العالم غفران بلخير الانضمام إلى المنتخب الألماني بعد حصولها على الجنسية الألمانية يمثل "صفعة" تستدعي مراجعة شاملة لأوضاع الشباب والرياضيين في البلاد.

وقال سعيداني عبر تدوينة نشرها على صفحته في موقع "فيسبوك" إن "ما يميز غفران بلخير عن عدد كبير من الشباب التونسي هو أنها وجدت طريقة لمغادرة البلاد"، معتبراً أن عدداً كبيراً من الشباب سيغادر تونس إذا أتيحت له الفرصة، مما يتطلب، وفق تعبيره، "مراجعة أنفسنا".

وأضاف أن الرسالة التي وجهتها البطلة التونسية تمثل "صفعة على وجوهنا جميعاً"، داعياً إلى استخلاص الدروس من هذه الحادثة ومؤكداً أن التونسيين "ليسوا أكثر وطنية من رياضية شرفت البلاد ورفعت رايتها في المحافل الدولية، لكنها لم تجد سوى النكران والجحود".

وختم سعيداني تدوينته بتوجيه اعتذار إلى غفران بلخير، قائلاً "سامحينا غفران. نحن الذين جعلناك تحملين راية أخرى".

دعوة إلى المحاسبة

من جانبه دعا النائب عماد أولاد جبريل إلى إقالة وزير الشباب والرياضة ومحاسبته، محملاً إياه المسؤولية السياسية عما اعتبره تراجعاً في أوضاع الرياضة التونسية، على خلفية إعلان الرباعة التونسية انضمامها إلى المنتخب الألماني.

وقال جبريل إن الوزارة كانت على علم بمؤشرات الأزمة منذ عام 2025، لكنها لم تتخذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على البطلة ضمن المنتخب الوطني. واستشهد بعدد من الملفات الأخرى، من بينها شكاوى رياضيين من ظروف الإعداد والإقامة، واختيار بعض الرياضيين تمثيل دول أخرى، معتبراً أن هذه الوقائع تعكس وجود إخلالات في إدارة القطاع.

وانتقد في المقابل ما وصفه بالفجوة بين الأهداف المعلنة لتطوير الرياضة التونسية، والواقع الذي يعيشه الرياضيون، داعياً إلى فتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين عن هذه الملفات.

وفي سياق متصل، يرى الصحافي المتخصص في الشأن الرياضي إسكندر إبراهيم أنه "بعد إعلان الرباعة التونسية غفران بالخير تغيير جنسيتها الرياضية يبرز جانب لا يقل أهمية عن الخبر في حد ذاته، مما يستدعي من الدولة وسلطة الإشراف التوقف عنده وقراءته بتمعّن".

وواصل إبراهيم معلقاً على رد فعل الرأي العام "نتذكر جميعاً ردود الفعل التي رافقت قرار لاعب كرة اليد يوسف بن علي تمثيل المنتخب القطري عام 2013، وكذلك قرار اللاعبة أسماء الغاوي تمثيل المنتخب المجري لاحقاً، إذ غلب على تعليقات التونسيين آنذاك الاستياء واتهامات بالخيانة والغضب من الرياضيين الذين اختاروا تمثيل دول أخرى. أما اليوم، فإن المتابع لأية منصة نشرت خبر التحاق غفران بالمنتخب الألماني سيلاحظ أن الغالبية الساحقة من التعليقات جاءت مساندة لها ومشجعة لخطوتها، بل متمنية لها النجاح في مسيرتها الجديدة".

ويقول إن "هذه المفارقة تستحق التوقف عندها. فهي تعكس تحولاً واضحاً في نظرة الرأي العام إلى مثل هذه القرارات، حتى عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالانتماء الوطني وتمثيل البلاد"، مشيراً إلى أن "الرسالة الموجهة إلى المسؤولين واضحة، وهي أن قراءة ردود فعل المواطنين قد تكون كافية لفهم حجم التغير الذي طرأ على المزاج العام، وما يعكسه من شعور متزايد بالإحباط تجاه واقع الرياضة التونسية".

ويعتقد إبراهيم بأن "هذا التحول في المواقف ينبغي أن يدفع إلى مراجعة السياسات المعتمدة في رعاية الرياضيين وتحسين ظروفهم، قبل أن تتكرر مثل هذه الحالات ويصبح انتقال الكفاءات الرياضية إلى منتخبات أخرى ظاهرة يصعب الحد منها".

الحكومة ترد

ولم يكُن انتقال غفران بلخير إلى ألمانيا حالاً معزولة، بل سبقته حالات مماثلة لرياضيين شبان على غرار حمزة بن عمر وسجير الجبالي ولجين عمارة الذين غادروا مقر إقامة المنتخب التونسي المشارك في بطولة العالم للشباب لرفع الأثقال بإسبانيا قبل عامين. ويؤكد تكرار هذه الحالات حجم الصعوبات التي يعيشها رياضيو الألعاب الفردية في البلاد.

وتعالت أصوات عدد من الرياضيين للمطالبة بإيفاء المسؤولين بالتزاماتهم ووعودهم تجاههم، غير أن المؤشرات توحي بأن الأزمة تفاقمت بما يتطلب وضع خطة إصلاح عاجلة وشاملة لإنقاذ قطاع الرياضة، ولا سيما الألعاب الفردية، وتحسين الظروف الاجتماعية والمهنية للرياضيين بما يحدّ من ظاهرة هجرتهم إلى الخارج وتمثيلهم لرايات أخرى.

في هذا الصدد، أكد وزير الشباب والرياضة الصادق المورالي أن الوزارة تعمل بالشراكة مع مختلف المتدخلين على مراجعة وتحيين المنظومة القانونية والترتيبية المنظِمة للقطاع الرياضي.

وأوضح أن نجاح أي مشروع إصلاحي يظل رهين توافر إطار تشريعي عصري مرن يواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها المجال الرياضي، مشدداً على أن مراجعة قانون الهياكل الرياضية وتطويره من أبرز أولويات برنامج الإصلاح الذي تعمل الوزارة على إنجازه.

وأضاف المورالي في كلمة ألقاها خلال إشرافه على فعاليات اليوم الجهوي للاحتفاء بالجمعيات الرياضية المتوجة والرياضيين المتألقين في محافظة سوسة للموسم الرياضي 2025 – 2026، أن الاستراتيجية الوطنية للرياضة في أفق 2035 ترتكز على دعم رياضة النخبة وتعزيز منظومة اكتشاف المواهب والتكوين الرياضي، فضلاً عن تطوير الحوكمة الرياضية وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد والعنف والتلاعب بالنتائج.

يُشار إلى أن وزير الشباب والرياضة عبّر خلال تصريح سابق عن هروب البطلة غفران بلخير التي غادرت البعثة التونسية قبل عام، معتبراً ذلك "خيانة للأمانة".