يتبوأ الجانب السيكولوجي مكانة محورية في تشكيل مسيرة المنتخبات ضمن منافسات كرة القدم بصفتها اللعبة الأكثر شعبية عالمياً، حيث أسهم تقصير العديد من الاتحادات الرياضية في دمج الكوادر النفسية ضمن أجهزتها الفنية والإدارية في التأثير المباشر على مستويات الفرق. وفي هذا السياق، يشير المستشار النفسي والسلوكي عبده الأسمري إلى أن تحليل مجريات كأس العالم 2026 يكشف عن تراجع أداء منتخبات عدة نتيجة قصور في إدارة الملف النفسي، الذي بات يتطلب تكاملاً بين الجهاز الفني والإداري وقائد الفريق، مع الأخذ بالاعتبار الدور المؤثر للجماهير في تعزيز روح اللاعبين أو محاصرتهم بالضغوط.

تتزايد التوجهات الحديثة في الرياضة الاحترافية نحو منح أولوية للعلوم السلوكية كركيزة أساسية موازية للإعداد البدني والفني لتحقيق الاستقرار الذهني خلال البطولات الكبرى.

مدرب منتخب فرنسا أحد أهم العوامل النفسية في تهيئة الجانب النفسي للاعبين، من خلال

مدرب الأرجنتين.. جمود نفسي

وعلى النقيض تمامًا، اشتهر مدرب منتخب الأرجنتين، ليونيل سكالوني، خلال مباريات كأس العالم بحالة "غريبة"، تكاد تكون الأولى من نوعها على مستوى مدربي منتخبات كرة القدم، تمثلت في برود الأعصاب وعدم الفرح بالأهداف أو الانتصارات، في حالة نادرة من "الجمود النفسي" و"التجمد الانفعالي"، قد تنعكس على اللاعبين وتشكل ضغطًا عليهم.
ويتابع الأسمري: بقراءة تحليلية عميقة لحالته، فإن الأسباب قد تعود إلى احتمالية وجود خبرات مؤلمة سابقة لدى المدرب تجاه الفرح، أو تجارب معينة منعته من التعبير عنه، أو أنه يعاني من حالة من الغرور والتعالي، تعكس إيحاءً معينًا للآخرين بأن المنتخب قوي ومسيطر، وأن الانتصار أو تسجيل الهدف يقع في مساحة الثقة والتأكيد والحتمية.
وقد يتجه الأمر نفسيًا إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال الميل إلى لفت الانتباه والخروج عن المألوف، بما يجذب إليه الشهرة، أو رغبته في صناعة شخصية فريدة توظف الحزم والجمود لرفع مستويات التكتيك الفني.
وقد يتعلق الأمر أيضًا بحالة نفسية نادرة جدًا، تتمثل في الهروب من إظهار الفرح والسرور أمام الآخرين، ضمن "عقد نفسية" مزمنة، تقتضي الفرح الفردي وعدم القدرة على استخدام حركات الجسد للتعبير عن الفرح أمام الغير.
ومن المتوقع أن تكون هناك تجارب سابقة أو سمات شخصية تتجه نحو جمود انفعالي مزمن في عمق الذات.

الجانب النفسي يكشف أسرار سقوط المنتخبات في المونديال.. وجمود مدرب الأرجنتين يضغط اللاعبين

عند التدقيق في دلالات الاحتفاء بالأهداف، نجد أن التخطيط المسبق للاحتفالات من قبل اللاعبين، ومشاركة المدربين في هذه الطقوس بكسر حاجز الرسمية، يمثل استراتيجية فاعلة لتعزيز حماس اللاعبين؛ إذ يمنحهم وجود المدرب كشريك في الفرح دفعة معنوية كبيرة لمواصلة الأداء القوي وتكثيف التنافس في الملعب.

أخبار متعلقة

الجانب النفسي.. ضرورة لصناعة الأداء المميز

يوضح المستشار النفسي والسلوكي، عبده الأسمري، أنه توجد حالات متعددة في كأس العالم 2026، سواء لمدربين أو لاعبين أو إداريين، وحتى للحكام، تقتضي الدراسة، لكن الجانب النفسي بات ضرورة لصناعة الأداء المميز، ومنع الأخطاء، وإخراج اللاعبين من دوائر التوجس والتعقيد، وصناعة مسارات من التهيئة المثلى للاعب، حتى يكون في حالة نفسية تعتمد على الجاهزية للعب داخل المستطيل الأخضر.
كما تبرز ضرورة وجود فريق نفسي متخصص لدى كل منتخب، فهناك لاعبون يحضرون إلى الملاعب وهم شاردو الذهن، ويعانون من مشكلات اجتماعية ونفسية، وحتى من صعوبات في الاندماج مع مجموعة الفريق من الجانب النفسي، إضافة إلى مشكلات متعددة تتعلق بخلافات داخل الفريق الواحد، تنعكس سلبًا على الأداء.
وتبرز الحاجة أيضًا إلى تهيئة بعض المدربين نفسيًا، وقراءة تصريحاتهم؛ فلو نظرنا إلى تصريحات مدرب منتخب مصر، حسام حسن، لوجدنا نسبة عالية من توجيه الإنجاز إلى الذات، وغلبة "الأنا" على الخطاب، إضافة إلى العصبية الشديدة التي أثرت على اللاعبين في آخر المباريات.

دراسة مستويات المنتخبات نفسيًا

ويكمل: كما شاهدنا الحاجة الماسة لدى لاعبي المنتخب السعودي والجهاز الفني إلى متخصصين في علم النفس، لدراسة مستويات المنتخب الأخيرة "غير المرضية"، وارتباطها بالجوانب النفسية، وضغط الجماهير، والضغط الإعلامي.
وتبرز حالة أخرى لدى مدربي منتخبات باراغواي، وبلجيكا، وسويسرا، والرأس الأخضر، والمغرب، والنرويج، الذين كانوا عوامل مساعدة من الجوانب النفسية؛ لالتزامهم بالهدوء واندماجهم مع اللاعبين، في مقابل أثر الأنانية في تراجع أداء منتخبات مثل ألمانيا، وهولندا، والبرتغال، والبرازيل، ووجود مشكلات نفسية تتعلق بغياب الروح لدى اللاعبين، نتيجة غياب التهيئة النفسية، وغياب العلاقات المتينة والقوية في التعامل الشخصي بين اللاعبين داخل الملعب وخارجه، مما انعكس سلبًا على الأداء.
وهناك أيضًا ظاهرة تتطلب قراءة تحليلية نفسية، وهي السيطرة النفسية للاعب في ضربات الجزاء الترجيحية، وضياع الكثير منها بسبب غياب الثقة، التي تعد من أهم العوامل النفسية في بناء النجاح داخل الملعب، إضافة إلى انعكاس الإصابات السابقة للاعبين الكبار على ارتفاع وتيرة الخوف من تجددها، وتأثير ذلك في الأداء، في ظل غياب دراسة هذا العامل مع اللاعبين قبل البطولات، إلى جانب ارتفاع عدد البطاقات الملونة، وما يغلب فيها من أسباب نفسية على الأسباب الفنية.
لقد تسبب غياب التهيئة النفسية خلال كأس العالم 2026 في خسائر بالنتائج، وزعزعة الثقة، وغياب الروح، وتراجع الأداء بشكل لافت، من خلال وقائع ومعطيات وأحداث ستظل حاضرة في الذاكرة.
فهل نرى تغيرًا وتحولًا في توفير فرق نفسية متخصصة للمنتخبات مستقبلًا؟ يبقى هذا السؤال مرتبطًا بالدراسة والتحليل، وبالضرورة التي أراها ملحة وحتمية، وشرطًا أساسيًا لصناعة التميز والنجاح داخل المستطيل الأخضر، وحصد ثمار البطولات.

تُظهر الأحداث المسجلة في كأس العالم 2026 أن غياب الإعداد النفسي المتخصص لم يعد مجرد تفصيلة جانبية، بل عاملاً حاسماً في تفاقم الخسائر وتراجع الثقة داخل الملاعب. يبقى التساؤل الجوهري حول مدى استعداد الاتحادات الرياضية للاستثمار في فرق متخصصة لضمان الجاهزية الذهنية كشرط أساسي لتحقيق النجاحات في المستقبل.