خلال أيام معدودة، وجد جياني إنفانتينو نفسه محور موجة انتقادات جديدة تجاه إدارته للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). سياسيون بريطانيون دعوا إلى رحيله، واتحادات أوروبية تواصل اعتراضها على بعض قراراته، فيما أثارت قضية رفع الإيقاف عن المهاجم الأميركي فولارين بالوغون واحتفال لاعبي الأرجنتين بلافتة جزر فوكلاند تساؤلات جديدة حول استقلالية «فيفا» وتداخل السياسة مع كرة القدم.

ويأتي هذا الجدل قبيل انتخابات رئاسة الفيفا المقررة في مارس المقبل، والتي يحظى إنفانتينو فيها بدعم غالبية الاتحادات الوطنية.

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم داعم كبير لانفانتنيو (أ.ف.ب)

غير أن هذه العاصفة لم توهن مكانة الرجل داخل المنظمة التي يديرها، بل واكبت اقترابه أكثر من أي وقت مضى من الفوز بولاية رابعة.

فبحسب معطيات كشفتها صحيفة «الغارديان»، حصل إنفانتينو بالفعل على خطابات دعم من أكثر من 200 اتحاد وطني من أصل 211 اتحاداً عضواً في «فيفا»، بينما لم يبق سوى عدد محدود من الاتحادات التي لم تعلن موقفها، أبرزها الاتحاد الألماني لكرة القدم. وحتى الآن، لا يوجد أي مرشح آخر أعلن نيته خوض الانتخابات المقررة في مارس (آذار) المقبل.

هذا التناقض يثير سؤالاً يتجاوز مسألة الانتخابات: كيف يمكن لرئيس يواجه كل هذه الانتقادات أن ينال كل هذا الإجماع في الجمعية العمومية لـ«فيفا»؟

خلال مونديال 2026، بدا إنفانتينو أكثر التصاقاً بالأحداث السياسية من أي وقت مضى. ظهوره المتكرر إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثم اعتراف الأخير بأنه طلب مراجعة البطاقة الحمراء التي حصل عليها فولارين بالوغون، منح المنتقدين مادة جديدة للتشكيك في استقلالية الاتحاد الدولي، حتى وإن أكد «فيفا» لاحقاً أن قرار رفع الإيقاف صدر عن لجنة انضباط مستقلة.

ولم يتوقف الجدل عند هذه القضية. فقد أثار احتفال لاعبي الأرجنتين بعد الفوز على إنجلترا، وهم يحملون لافتة تؤكد تبعية جزر فوكلاند لبلادهم، موجة انتقادات جديدة، وسط اتهامات لـ«فيفا» بالتباطؤ في التعامل مع الواقعة، في وقت يرفع فيه شعار إبعاد السياسة عن كرة القدم.

مشجعان يحملان صورة لإنفانتنيو مليئة بالدولارات في إشارة سيئة ومعتادة من المشجعين (أ.ب)

في بريطانيا، تجاوزت الانتقادات حدود الملاعب. فقد دعا زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إد ديفي الاتحاد الإنجليزي والاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى قيادة انسحاب جماعي من «فيفا»، والعمل على إنشاء هيئة دولية جديدة لإدارة اللعبة، معتبراً أن إنفانتينو تجاوز «خطاً أحمر بعد آخر»، وأن المنظمة فقدت قدرتها على حماية نزاهة كرة القدم.

كما انضمت شخصيات أخرى في الحزب إلى موجة الانتقادات، سواء بسبب قضية بالوغون أو أسعار التذاكر التي سجلت مستويات غير مسبوقة خلال البطولة، معتبرة أن مصالح الجماهير أصبحت تتراجع أمام الحسابات التجارية.

وفي الوقت نفسه، يواصل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وعدد من الاتحادات الكبرى، مثل ألمانيا وفرنسا، إظهار تحفظات متزايدة على بعض قرارات «فيفا»، سواء فيما يتعلق بالقضايا الانضباطية أو بإدارة البطولة، وهو ما يعكس اتساع فجوة الرؤية بين زيوريخ، مقر الاتحاد الدولي، ونيون، مقر «يويفا».

انتخابات فيفا التي ستجرى في مارس المقبل تحظى بتأييد 200 اتحاد وطني لإنفانتينو (رويترز)

ومع ذلك، فإن هذه المعارضة تبدو حتى الآن عاجزة عن التحول إلى تحدٍ انتخابي حقيقي. فلا يوجد منافس معلن، ولا مؤشرات إلى وجود توافق أوروبي على اسم قادر على خوض السباق، بل إن بعض المسؤولين الأوروبيين باتوا يرون أن مجرد ظهور مرشح يحصل على 30 أو 40 صوتاً سيكون إنجازاً بحد ذاته، لأنه سيكسر مشهد الإجماع الذي يحيط بإنفانتينو.

وبينما يواجه رئيس «فيفا» انتقادات متصاعدة في الإعلام، وتتعالى الأصوات المطالبة بإصلاح المنظمة، يبدو أن طريقه نحو ولاية رابعة لا يزال خالياً من العقبات. فالمفارقة الكبرى أن الرجل الذي قد يخسر معركة الصورة أمام الرأي العام، يواصل في المقابل كسب معركة الأصوات داخل المؤسسة التي تمنحه البقاء.

كرة القدم بتوقيع إنفانتينو (رويترز)

إذا كانت الانتقادات المتلاحقة لم تنجح في إضعاف فرص جياني إنفانتينو الانتخابية، فإن السبب لا يكمن في غياب الجدل حول شخصه، بل في طبيعة النظام الذي تُدار به انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم. فداخل الجمعية العمومية لـ«فيفا»، لا تمنح الشعبية أو الحضور الإعلامي أفضلية لأي مرشح، وإنما تحسم النتيجة أصوات الاتحادات الوطنية، حيث يمتلك كل اتحاد صوتاً واحداً، بصرف النظر عن حجمه أو تاريخه أو نفوذه الكروي.

وبهذه الآلية، يتساوى صوت ألمانيا مع جيبوتي، والبرازيل مع جزر كوك، والأرجنتين مع سان مارينو. لذلك، فإن الطريق إلى رئاسة «فيفا» لا يمر عبر إقناع القوى الكروية الكبرى وحدها، بل عبر بناء شبكة واسعة من العلاقات مع أكثر من مائتي اتحاد موزعة على القارات الست.

مشجع يلتقط سيلفي مع رئيس فيفا (د.ب.أ)

وخلال سنوات رئاسته، ركز إنفانتينو بصورة واضحة على هذا الجانب. فقد عزز برامج التطوير التي يقدمها الاتحاد الدولي، ورفع حجم المنح المالية المخصصة للاتحادات الوطنية، ووسع نطاق الدعم الموجه للبنية التحتية، وتأهيل الحكام، وتطوير مسابقات الفئات السنية والكرة النسائية. وبالنسبة لكثير من الاتحادات الصغيرة، لا تمثل هذه البرامج امتيازات إضافية، بل تشكل جزءاً أساسياً من ميزانياتها السنوية، وهو ما جعل العلاقة مع «فيفا» تتجاوز الإطار الإداري إلى شراكة مالية وتنموية مباشرة.

كما استفادت هذه الاتحادات من قرارات توسعة البطولات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم الذي ارتفع عدد منتخباته إلى 48 منتخباً، مما منح قارات مثل أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا وأميركا الشمالية فرصاً أكبر للتأهل والمشاركة. وبالنسبة لدول لم يكن الوصول إلى النهائيات سوى حلم بعيد، تحولت هذه التوسعة إلى مكسب رياضي واقتصادي في آنٍ واحد، وهو ما عزز التأييد لسياسات إنفانتينو داخل تلك القارات.

هكذا إنفانتينو التحايا لاتتوقف للأخرين (د.ب.أ)

وفي المقابل، تنظر أوروبا إلى المشهد من زاوية مختلفة. فالعديد من الاتحادات الأوروبية ترى أن «فيفا» توسع بطولاتها بصورة مفرطة، وترهق روزنامة اللاعبين، وتمنح الاعتبارات التجارية مساحة أكبر من الجوانب الرياضية. كما برزت خلافات متكررة حول قضايا انضباطية، وآليات التحكيم، وأسعار التذاكر، والعلاقة المتزايدة بين قيادة «فيفا» وعدد من الزعماء السياسيين، وهي ملفات عمقت التباين بين الاتحاد الدولي ونظيره الأوروبي.

ورغم ذلك، تبقى أوروبا أقلية عددية داخل الجمعية العمومية. فالاتحاد الأوروبي يضم 55 اتحاداً فقط، مقابل 54 اتحاداً في أفريقيا، و47 في آسيا، و41 في الأميركتين الشمالية والوسطى والكاريبي، و10 في أميركا الجنوبية، و11 في أوقيانوسيا. وحتى إذا توحدت جميع الاتحادات الأوروبية خلف مرشح واحد، فإن ذلك لن يكون كافياً لحسم الانتخابات ما لم ينجح في اختراق بقية القارات.

دونالد ترمب أوقف رئيس فيفا في حرج كبير على صعيد قضية بالوغون (رويترز)

ولهذا السبب، تبدو فكرة الدفع بمرشح منافس لإنفانتينو أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات الإعلامية. فالمشكلة لا تتمثل في العثور على شخصية تحظى بالقبول الأوروبي، وإنما في قدرتها على إقناع عشرات الاتحادات الأخرى بالتخلي عن رئيس منحها، خلال السنوات الماضية، مزيداً من التمويل وفرص المشاركة والنفوذ داخل المنظومة الدولية.

ولا يعني ذلك أن إنفانتينو بمنأى عن الضغوط أو أن جميع الاتحادات راضية عن سياساته، غير أن ميزان القوى داخل «فيفا» يختلف كثيراً عن الصورة التي تعكسها وسائل الإعلام أو الجدل الدائر في أوروبا. فالرئيس السويسري الإيطالي يدرك أن الانتخابات لا تُحسم بعناوين الصحف، ولا بحجم الانتقادات على المنصات السياسية، وإنما بالأغلبية داخل قاعة التصويت.

نوفاك ديوكوفيتش مع رئيس فيفا في المؤتمرات الصحافية التي عقدت بحضور نخبة من رياضيين (أ.ب)

ولهذا، وبينما تتواصل الدعوات المطالبة بإصلاح «فيفا»، أو حتى إنشاء هيئة دولية بديلة، يواصل إنفانتينو تثبيت موقعه داخل المنظمة بهدوء. وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الرجل الذي يواجه أصواتاً مرتفعة تطالب برحيله، يقود في الوقت نفسه منظومة يبدو أن معظم أعضائها لا يرون سبباً لتغييره، وهو ما يجعل طريقه نحو ولاية رابعة أقرب إلى الحسم من أي وقت مضى.

وبالنظر إلى الدعم الواسع الذي يحظى به إنفانتينو من الاتحادات الأعضاء، يبدو أن فوزه بولاية رابعة أمر شبه محسوم رغم الضغوط السياسية. وتظل مسألة استقلالية الفيفا وحدود تداخل السياسة مع كرة القدم محل جدل متجدد، خاصة مع استمرار اتهامات المنتقدين باستغلال المنظمة لأغراض غير رياضية.