تأهبت مدينتا نيويورك ونيوجيرسي لاحتضان ذروة الحدث الكروي العالمي، بيد أن شبحاً بيئياً غير متوقع خيّم على الأجواء قبيل انطلاق صافرة البداية؛ إذ تصاعدت مخاوف جدية حول سلامة إقامة المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين، نتيجة تدفق سحب الدخان الكثيفة الناجمة عن حرائق الغابات في كندا نحو المنطقة.

تُعد جودة الهواء في المناطق الحضرية الكبرى مؤشراً حيوياً تتولى مراقبته وكالات حماية البيئة والهيئات الصحية لضمان سلامة الأنشطة العامة والتجمعات البشرية المكثفة.

وتراقب السلطات الأمريكية جودة الهواء على مدار الساعة، فيما تبدو التوقعات الجوية متفائلة حتى الآن، إلا أن القرار النهائي سيظل مرهونًا بما ستشهده سماء نيوجيرسي خلال الساعات المقبلة، وفقًا لما ذكرته صحيفة "ماركا" الإسبانية.

استفاقت نيويورك على واقع غريب، حيث توارت معالم مانهاتن خلف سحابة رمادية داكنة، مما دفع السكان للعودة إلى استخدام الكمامات في الشوارع، في مشهد أعاد للأذهان أجواء حقبة جائحة كورونا.

وقبل ثلاثة أيام فقط من نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين، وضعت حرائق الغابات المشتعلة في كندا أكبر حدث كروي في العالم أمام تهديد بيئي غير متوقع.

وقالت الدكتورة كورتني هوارد، طبيبة الطوارئ وممثلة التحالف العالمي للمناخ والصحة: "لا ينبغي للاعبين التدرب في الهواء الطلق عندما تصل جودة الهواء إلى مستويات خطيرة. أنصح بالبحث عن منشآت داخلية ذات هواء نقي".

ورغم تصاعد المخاوف، لا يتحدث الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حتى الآن عن احتمال تأجيل المباراة. إلا أن الدخان المتصاعد من الحرائق وضع ملعب "ميتلايف" تحت مراقبة مستمرة، ليس بسبب خطر مباشر يهدد إقامة النهائي، وإنما لأن جودة الهواء أصبحت القضية الأبرز لدى سلطات الصحة والأرصاد الجوية في نيويورك ونيوجيرسي.

مؤشر جودة الهواء.. الرقم الذي قد يحسم مصير النهائي

وجهت السلطات الأمريكية تحذيرات رسمية بشأن تلوث الجو، داعيةً المواطنين إلى الحد من المجهود البدني في الهواء الطلق، مع تشديد التوصيات لأصحاب الأمراض التنفسية بضرورة توخي الحيطة والحذر.

ويتابع الجميع مؤشر جودة الهواء (AQI)، وهو المقياس الذي يرصد تركيز الجسيمات الملوثة في الهواء، والذي قد يتغير بصورة كبيرة خلال ساعات قليلة تبعًا لاتجاه الرياح وسرعتها.

ولن تكون السماء الرمادية أو رائحة الدخان المنتشرة في منطقة نيويورك الكبرى هي العامل الحاسم في إقامة المباراة، بل ستكون القراءة الفعلية لمؤشر جودة الهواء هي الفيصل، بحسب ما أكدته صحيفة "ماركا".

وعندما يتجاوز هذا المؤشر مستويات معينة، تعتبر السلطات الصحية أن الهواء لم يعد آمنًا لممارسة الأنشطة البدنية الشاقة.

وسجلت محطات الرصد، الخميس، مستويات تراوحت بين "غير صحي للفئات الحساسة" و"خطير" في بعض مناطق ولاية نيوجيرسي خلال فترات معينة من اليوم.

ومع ذلك، يبقى أحد أكبر التساؤلات المطروحة خلال كأس العالم قائمًا، إذ لم يحدد الاتحاد الدولي لكرة القدم حتى الآن الحد الأدنى أو العتبة الرسمية التي تستوجب تأجيل مباراة بسبب تلوث الهواء.

وبالتالي، فإن أي قرار محتمل سيعتمد على تقييم السلطات الصحية وهيئات الأرصاد الجوية، في حال وصول مؤشر جودة الهواء إلى مستويات غير آمنة وقت إقامة المباراة، وفقًا لما أوردته صحيفة "ماركا".

الأمطار تمنح المنظمين جرعة من التفاؤل

ورغم القلق المسيطر، فإن توقعات الطقس تمنح المنظمين قدرًا من التفاؤل بشأن إقامة النهائي في موعده.

وتشير نماذج الأرصاد الجوية إلى احتمالية هطول أمطار غزيرة يوم السبت، يعقبها وصول جبهة هوائية باردة فجر الأحد، وهو ما قد يسهم في تبديد الدخان المتراكم فوق نيويورك ونيوجيرسي قبل انطلاق المباراة.

ولهذا السبب، لا تدرس السلطات الأمريكية أو الاتحاد الدولي لكرة القدم في الوقت الحالي خيار تأجيل النهائي.

لكن الخبراء يحذرون من أن حركة الدخان ترتبط بشكل مباشر باتجاه الرياح، وهو ما يجعل الوضع قابلًا للتغير بصورة سريعة، لذلك يتم تحديث بيانات جودة الهواء بشكل متواصل وعلى مدار الساعة.

وفي هذا السياق، شددت الدكتورة كورتني هوارد على خطورة تعرض الرياضيين لمثل هذه الظروف، قائلة: "هؤلاء رياضيون من النخبة، ويستهلكون كميات هائلة من الهواء عبر رئاتهم أثناء الأداء. لا ينبغي لهم التدرب في الهواء الطلق عندما تصل جودة الهواء إلى مستويات خطيرة، وأنصح بالبحث عن منشآت داخلية تتمتع بهواء نقي".

وجاءت تصريحاتها لوكالة أسوشيتد برس بعدما خاض المنتخب الإسباني، بقيادة المدرب لويس دي لا فوينتي، إحدى حصصه التدريبية في مدينة إيست هانوفر، رغم الغطاء الكثيف من الدخان الذي خيم على المنطقة.

تضع هذه التطورات الميدانية اللجنة المنظمة والاتحاد الدولي لكرة القدم تحت ضغط التوفيق بين التزامات الجدولة الرياضية والمعايير الصارمة للصحة العامة. وسيتوقف مصير المباراة على دقة قراءات مؤشر جودة الهواء (AQI) في الساعات الحرجة القادمة، وسط آمال بأن تتغير مسارات الرياح بما يسمح بتبدد الدخان وتأمين الأجواء للاعبين والجماهير.