لم يكن إعلان نادي الهلال عبر حسابه الرسمي على منصة (X) عن تفاصيل البرنامج الإعدادي والمعسكر الخارجي للفريق الأول لكرة القدم مجرد خبر عابر أو تغريدة روتينية لضبط مواعيد السفر؛ بل كانت بمثابة صاعقٍ فجرَ بركان الاحتقان الجماهيري المكتوم. فخلف قائمة الأسماء وتواريخ المعسكر، برز اسم المدير الفني الإيطالي سيموني إنزاغي كعنوانٍ عريضٍ للجدل، مُعلناً عن استمراريته في مقعد القيادة الفنية، في وقتٍ كانت فيه التوقعات الجماهيرية والإعلامية تتجه نحو تغيير جذري لا ترقيع فني؛ مما جعل السؤال الذي يطرحه كل عاشقٍ لهذا الكيان: هل نحن أمام إدارة لا ترى، أم أنها ترى وتتعمد تجاهل الواقع؟.

حالة الإنكار.. وذاكرة الجمهور التي لا تنسى

لا يختلف اثنان على أن الهلال نادٍ لا يعيش على فتات البطولات، وبطولة كأس الملك الأخيرة -رغم أهميتها وقيمتها المعنوية - إلا أنها في عرف الجمهور الأزرق العريق ليست سوى تسكينٍ للألم وليست شفاءً له. فالموسم الماضي حمل في طياته غصةً كبرى بعد الخروج من المعترك الآسيوي والتفريط في لقب الدوري، وهي إخفاقاتٌ وضعت إنزاغي في قفص الاتهام. ومع ذلك، تأتي الإدارة لتعلن بقاءه، وكأنها تعيش في حالة إنكارٍ تامٍ لحجم الخيبة التي انتابت المدرج الذي لا يقبل بغير الذهب بديلاً. الاستمرار في الخطأ ليس شجاعة، بل هو إصرارٌ على هدم ما بناه الآخرون، ومن يظن أن الفوز ببطولة محلية واحدة يشفع للمدرب في البقاء، فهو يجهل حجم الطموح الهلالي الذي لا يقف عند حدود التنافس، بل يتخطاه نحو الريادة والسيادة.

الميركاتو.. سد ذرائع لا بناء طموح

وعلى صعيد التحركات في الميركاتو، جاء التعاقد مع الشابين صبري دهل قادماً من الفيحاء، وعبدالله العنزي قادماً من الفتح، ليؤكد أن العمل يسير وفق سياسة إكمال النواقص الموروثة من الميركاتو الشتوي الماضي.

وبرز اسم الحارس الدولي محمد العويس في الصحافة السعودية خياراً هلالياً لعودته لحماية المرمى الهلالي وتدعيم خانة الحراسة في الفريق الاول. هذه الصفقات، رغم جودة اللاعبين، بدت وكأنها إتمامٌ لسيناريوهات قديمة وارتباطاتٍ كانت معلقة، وليست طفرة نوعية أو مشروعاً استراتيجياً يضخ دماءً جديدة قادرة على تغيير هوية الفريق وإعادة الهيبة القارية التي اهتزت. إنها صفقاتٌ «تكميلية» في وقتٍ كان ينتظر فيه الجمهور صفقات «تغييرية» تصنع الفارق الفني وتستعيد توازن الفريق الذي عانى من خلل تكتيكي واضح في مواجهات الموسم الماضي الحاسمة.

الصمت الإداري.. العيب الأزلي

وهنا نقف أمام اللغز الأكبر؛ أين دور الإدارة الرياضية بقيادة الاسكتلندي ريتشارد هيوز؟ إن المتابع للمشهد الهلالي يصاب بالدهشة من هذا الصمت الأزلي الذي بات سمةً ملازمة للعمل الإداري في النادي. عدم الشفافية في التعاطي مع القرارات الفنية، وتجاهل مبررات الاستمرار على نهجٍ أثبت فشله في محطاتٍ مفصلية، هو عيبٌ واضحٌ لا يمكن إغفاله. فالجمهور اليوم ليس مجرد مشجع يُساق خلف العاطفة، بل هو ناقد يمتلك الوعي الكافي ليرى مكامن الخلل، وحقه في التفسير والبيان يسبق حق الإدارة في الصمت. هل يخاف هيوز من مواجهة الحقائق؟ أم أن الإدارة تعتقد أن النتيجة في الملعب تكفي دون الحاجة لخطابٍ إداري يطمئن القواعد الجماهيرية العريضة؟.

توقعات للمرحلة القادمة: اختبار الصبر

أتوقع أن تجد الإدارة الهلالية نفسها في مواجهة مفتوحة مع المدرج الغاضب في حال تعثرت البدايات أو ظهر الفريق بنفس الفوضى التكتيكية التي رأيناها سابقاً. الرهان على إنزاغي هو رهانٌ بمثابة المقامرة بمقدرات النادي وسمعته. إنني أرى أن الوقت يداهمنا، والبطولات لا تنتظر الضعفاء في اتخاذ القرار. الإدارة الرياضية مطالبة اليوم بكسر حاجز الصمت، فالجمهور لا يحتاج لتغريدات بروتوكولية أو صور للمعسكرات، بل يحتاج لخطابٍ شفاف يحدد المسؤوليات، ويشرح الأسباب التي دعتهم للاقتناع باستمرار جهازٍ فنيٍ خذل الطموحات.

الفلك

كلمة أخيرة.. الهلال أكبر من الجميع

إن كانت الإدارة تظن أن الوقت كفيلٌ بنسيان إخفاقات الماضي، فهي واهمة. الهلال لا يُدار بالاستمرارية على الخطأ، بل بالتصحيح الشجاع. وعلى الرغم من توجه الجماهير الهلالية لدعم موقف الادارة الهلالية والتوقف عن انتقاد إنزاغي هذه الفترة حتى بداية المعسكر والوقوف على مستويات الفريق في المباريات الودية وبداية الموسم الرياضي وهذا الوضع الصحي الذي يتمتع به المدرج الأزرق طوال المواسم. البقاء على إنزاغي يتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة الفريق داخل الملعب، وفي طريقة تواصل الإدارة خارج الملعب، وإلا فإن القادم سيكون أصعب، والمدرج الأزرق - بوفائه المعهود- لن يرحم من يستهين بطموحه أو يتعامل مع مشاعره ببرود الإداري الذي يفتقر للغة التواصل مع نبض الكيان.