فَعلها الناشئون.. فهل تغلب الكبار؟! - اللواء الركن م. د. بندر بن عبدالله بن تركي آل سعود
قبل أربعة عقود إلا قليلاً، أي في الحادي والعشرين من شهر ذي الحجة لعام 1409هـ، الموافق لليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو لعام 1989م، تم تتويج المنتخب السعودي للناشئين لكرة القدم، بكأس العالم في البطولة التي أقيمت في اسكتلندا، فكان أول منتخب عربي - آسيوي في العالم يحقق هذا الإنجاز.
واليوم نحن أمام لحظتين فارقتين في تاريخ الرياضة، إذ تصادف بطولة كأس العالم القادمة للكبار (2030)، الذكرى المئوية لإقامة هذه البطولة التي تُعَدُّ أعظم تظاهرة رياضية في العالم، منذ انطلاقها لأول مرة عام 1930م في الأرغواي، إضافة لما لهذا التاريخ (2030) من دلالة عظيمة في نفس السعوديين لارتباطه برؤيتهم الطموحة الذكية، التي هندسها أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين، وكان من أنجح برامجها في مجال الرياضة، تأهل بلادنا لاستضافة كأس العالم لكرة القدم (2034).
أما اللحظة الفارقة الثانية في تاريخ الرياضة، التي تُعَدُّ عندي، بل أحسب أنها تُعَدُّ عند كل سعودية وكل سعودي، اللحظة الأهم، فتتمثل في استضافة بلادنا لبطولة (2034). وقطعاً أعرف يقيناً، كما يدرك الجميع، أن دولتنا رعاها الله، سوف تدهش العالم بما تهيئه من ملاعب ونُزُل لضيافة الفِرَق الرياضية والوفود المرافقة من كل فجٍ عميقٍ.
وأود اليوم، على خلفية ما نشاهده من مفاجآت في البطولة التي تجري أحداثها حالياً، شأن كرة القدم في كل زمان ومكان، تعليق الجرس في رقبة وزارة الرياضة والأندية الرياضية والمجتمع الرياضي بشكل عام، للاستعداد مبكراً، حتى يتمكن منتخبنا الوطني من تسجيل إنجاز جديد فريد، يضاف إلى إنجاز منتخبنا للناشئين، كأول منتخب عربي - آسيوي يحرز بطولة كأس العالم لكرة القدم للكبار في العالم. ولأن البطولة القادمة تمثل الذكرى المئوية كما تقدَّم، فسيكون لها وقع خاص في نفس المجتمع الرياضي محلياً، إقليمياً وعالمياً. أما إن غُلِبَت الروم، فليس أقل من المنافسة بشراسة لإحراز البطولة التي تقام في بلادنا (2034).
وعلى كل حال، أرى أن كل الأسباب مواتية لتحقيق هذا الإنجاز الذي تتوق له نفس كل سعودية و كل سعودي، فالدولة حفظها الله، توفر دوماً من الإمكانات والدعم للرياضة، ما لم توفره أي دولة أخرى في العالم. ويبقى أن تمتلئ النفس بأمل لا يذبل أبداً، وطموح يناهز عنان السماء، وتتسلح بعزيمة تناهز طويق، وتمتلئ قبل هذا وذاك بثقة في عون الله وتوفيقه لا تهتز مطلقاً. لكن بالطبع لا بد من أن يصاحب هذا كله عمل جاد وجهد دءوب، فَكُرَة القدم أصبحت اليوم علماً أكثر منها موهبة. ولدينا الإمكانات الوفيرة الحمد لله التي يمكنها تحقيق المستحيل بعون الله وتوفيقه، وتشجيع القيادة الرشيدة، وأمامنا من الوقت ما يكفي لتحقيق الغايات، وتذكروا دوماً قول الذي ملأ شعره الدنيا وشغل الناس:
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ
فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ
كطعم الموت في أمرٍ عظيمٍ
ويبقى أن يتمثل أفراد فريقنا الوطني كلما نزلوا ملعباً للتمارين أو المباريات الرسمية، أنفسهم وهم يتوجون بالبطولة، متَّشحين الأخضر الخفَّاق، وأعين السعوديات والسعوديين تغرورق بالدموع من الفرح، فاعملوا بجد من الآن حتى لا تخذلوهم؛ بل تكونوا عند أكثر من حسن ظنِّهم. منشدين مع البدر الذي ما زال سناؤه يملأ الآفاق حتى بعد رحيل مهندس الكلمة:
فوق هام السحب وإن كنتِ ثرى
فوق عالي الشهب يا أغلى ثرى
أنتِ ما مثلك بهالدنيا بلد
والحقيقة لا يفوتني هنا أن أعلِّق الجرس أيضاً في رقبة وزارة الثقافة ووزارة الإعلام، للاستعداد من الآن لهذا الحدث العالمي الذي تنظمه بلادنا في (2034) لكي تجعلا منه حدثاً استثنائياً يرسخ بقوة في الذاكرة البعيدة لكل من يحضره أو يشاهده عبر الفضائيات من شعوب الأرض حيثما كانوا، يقدِّم بلادنا عبر برامج فريدة لأولئك الذين لا يعرفونها غير أنها منتج عملاق للطاقة في العالم، بحيث تعكس تلك البرامج إرثنا الحضاري والثقافي، وتطلعهم على تاريخنا المجيد وعاداتنا وتقاليدنا العريقة، ويدنا الطولى في دعم العمل الخيري والإنساني لكافة الشعوب، وجهدنا المشهود في تحقيق أمن العالم وسلامه واستقراره ورخائه.
أجل، فتلك سانحة عظيمة، ينبغي على كل الجهات المعنية استثمارها لأقصى درجة ممكنة، لجعلها حدثاً مختلفاً تماماً عن كل ما شهده العالم خلال القرن المنصرم منذ انطلاق أول بطولة لكأس العالم عام 1930م كما تقدَّم. لترسيخ كل ما هو معلوم للآخرين عنَّا، وتصحيح تلك المفاهيم المغلوطة التي طالما روّج لها الأعداء.
أجل، ينبغي ألا تقتصر إقامة هذا الحدث العالمي المهم في بلادنا (2034) على إقامة المباريات فقط، والحديث عن الغالب والمغلوب، ومن سيحقق البطولة، بل يوفر تظاهرة ممتعة، تطلع العالم على كل ما تجاهله من إرثنا التاريخي، الحضاري والثقافي أو جهله.
مع صادق الأمنيات والدعاء بالتوفيق والسداد لفريقنا الوطني ولكل القائمين على أمره والمعنيين بمساندته ودعمه، فالنجاح ليس حكراً على أُمَّة دون غيرها، ولا على أحد دون غيره، بل متاح لكل طموح مترعٌ بالأمل، حريصاً على العمل.. فبالعمل يتحقق الأمل، ولكل مجتهد نصيب.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.