حين تصبح الرياضة مشروع دولة - د. عبدالمحسن الرحيمي

لم يكن حضور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لنهائي كأس الملك في ملعب «الجوهرة المشعة» مجرد حضور لقائد يتابع مناسبة رياضية جماهيرية، لأن الصورة التي تشكلت في تلك الليلة تجاوزت حدود المشهد الرياضي التقليدي لتكشف عن تحوّل سعودي أعمق بكثير من مباراة نهائية أو تتويج فريق ببطولة، حتى بدا وكأن المدرجات الممتلئة والهتافات والصورة البصرية المهيبة للمشهد الرياضي السعودي تعكس لحظة تاريخية تعيد فيها المملكة تعريف العلاقة بين الدولة والطاقة المجتمعية، وبين التنمية والحيوية الإنسانية، وبين الاقتصاد والهوية والطموح الوطني.
فما يحدث في الرياضة السعودية اليوم لم يعد ممكنًا تفسيره بلغة رياضية تقليدية تختزل الأمر في بطولات أو استثمارات أو صفقات كبرى، لأن المشروع الرياضي السعودي تجاوز منذ سنوات فكرة تطوير قطاع ترفيهي أو تحسين صناعة رياضية، وأصبح جزءًا من مشروع حضاري أوسع يعكس ملامح «المدرسة السعودية الجديدة»، وهي مدرسة لا تنظر إلى التنمية باعتبارها عملية تقنية باردة تُقاس بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية فقط، بل باعتبارها إعادة بناء شاملة للعلاقة بين الإنسان والدولة، وبين المجتمع والطموح، وبين الهوية الوطنية وصورة البلاد أمام العالم، بحيث تتحول التنمية من مجرد خطط حكومية إلى حالة شعورية عامة يعيشها المجتمع بوصفها جزءًا من هويته اليومية وإحساسه المتجدد بالمستقبل.
ولهذا فإن مشروع تخصيص الأندية السعودية لم يكن مجرد خطوة إدارية تستهدف تحسين الكفاءة أو تطوير الحوكمة أو رفع العوائد الاقتصادية للأندية الرياضية، بل كان في جوهره إعلانًا عن انتقال الرياضة في المملكة من موقع النشاط الترفيهي التقليدي إلى موقع «المشروع الوطني» القادر على إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والطموح والهوية والصورة الذهنية للدولة في آن واحد، حتى بدا وكأن الرياضة السعودية لم تعد تتحرك داخل حدود المنافسة الرياضية فقط، بل داخل رؤية أوسع ترى في الملاعب جزءًا من البنية النفسية والحضارية للمجتمع الحديث، وجزءًا من القوة الناعمة التي يُعاد عبرها صياغة حضور المملكة إقليميًا وعالميًا.
فالرياضة في التجارب الكبرى لم تعد قطاعًا معزولًا عن الاقتصاد أو الثقافة أو المزاج الاجتماعي العام، بل أصبحت واحدة من أكثر المساحات قدرة على إنتاج الطاقة الجماعية وصناعة الثقة وإعادة تعريف صورة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه، ولهذا فإن التحول الرياضي السعودي خلال السنوات الأخيرة لا يمكن اختزاله في استقطاب النجوم أو تطوير البنية التحتية أو رفع القيمة السوقية للدوري، لأن ما يحدث أعمق من ذلك بكثير؛ إنه يتعلق ببناء حالة وطنية جديدة يصبح فيها الشغف الرياضي جزءًا من مشروع أوسع يعيد إنتاج الحيوية الاجتماعية ويمنح المجتمع شعورًا متصاعدًا بالحضور والثقة والقدرة على المنافسة العالمية.
ومن هنا تبدو الملاعب السعودية اليوم وكأنها لم تعد مجرد فضاءات للمنافسة المؤقتة، بل تحولت إلى مساحات تتقاطع فيها التنمية مع الهوية، والطموح مع الانتماء، والاقتصاد مع الطاقة النفسية للمجتمع، حتى أصبح المشهد الرياضي نفسه انعكاسًا لفلسفة سعودية جديدة تحاول أن تبني نموذجًا مختلفًا في التنمية؛ نموذجًا لا يفصل بين بناء الإنسان وبناء الاقتصاد، ولا بين تحديث الدولة والحفاظ على حيوية المجتمع، بل يرى أن أعظم النجاحات ليست تلك التي تُقاس بالأرقام وحدها، بل تلك التي تجعل المجتمع أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على الحلم وأكثر إحساسًا بأنه جزء حي من لحظة تاريخية كبرى تتحرك فيها المملكة بثقة غير مسبوقة نحو المستقبل.
ولعل ما يمنح التحول الرياضي السعودي هذا البعد الاستثنائي هو أنه لم يأتِ بوصفه مشروعًا منفصلًا عن التحول الوطني الشامل الذي تعيشه المملكة، بل جاء منسجمًا بصورة عميقة مع الرؤية السعودية الجديدة التي تسعى إلى إعادة تعريف موقع الدولة داخل العالم الحديث، ليس فقط كقوة اقتصادية صاعدة، بل كنموذج قادر على الجمع بين الحداثة والهوية، والتنمية والحيوية، والاقتصاد والإنسان، والحضور العالمي والخصوصية الثقافية، في معادلة أصبحت نادرة في كثير من تجارب التحديث المعاصرة التي نجحت في بناء الاقتصاد لكنها فشلت في الحفاظ على التوازن النفسي والثقافي للمجتمعات.
فالعالم اليوم يعيش أزمة تتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى أزمة معنى حقيقية، حيث استطاعت كثير من الدول أن تحقق مستويات غير مسبوقة من الرفاهية المادية، لكنها في الوقت نفسه تواجه تصاعدًا واضحًا في معدلات العزلة الاجتماعية والإنهاك النفسي وفقدان الثقة بالمستقبل وتآكل الروابط الإنسانية، حتى أصبح الإنسان الحديث يعيش داخل مجتمعات متطورة تقنيًا لكنها تعاني من هشاشة متزايدة في الإحساس بالانتماء والحيوية والمعنى.
أما النموذج السعودي الحالي فيبدو وكأنه يحاول تجاوز هذا الانفصال مبكرًا عبر بناء مشروع تنموي يرى أن الاقتصاد وحده لا يكفي، وأن أعظم أشكال القوة ليست تلك التي تجعل الدولة أكثر ثراءً فقط، بل تلك التي تجعل المجتمع أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على الحلم وأكثر شعورًا بأنه شريك حي في صناعة المستقبل، ولهذا فإن الرياضة السعودية أصبحت واحدة من أكثر المساحات وضوحًا في التعبير عن «المدرسة السعودية» في القيادة والتحول؛ مدرسة لا تتعامل مع الإنسان باعتباره مجرد عنصر اقتصادي داخل منظومة إنتاج واستهلاك، بل باعتباره محور التنمية الحقيقي وروحها العميقة.
ومن هنا يمكن فهم الحضور الشخصي لسمو ولي العهد داخل المشهد الرياضي بوصفه أكثر من مجرد دعم رمزي لقطاع ناجح، لأنه يعكس إدراكًا عميقًا لحقيقة أن الرياضة الحديثة أصبحت واحدة من أهم مساحات إنتاج القوة الناعمة والطاقة المجتمعية في العالم، وأن الدول الكبرى لم تعد تبني حضورها الدولي بالقوة الاقتصادية والعسكرية فقط، بل أيضًا بقدرتها على صناعة الحيوية، وتحويل الشغف الشعبي إلى طاقة وطنية، وجعل المجتمع يشعر أنه يتحرك داخل مشروع يمنحه المعنى والثقة والإحساس بالمشاركة في صناعة المستقبل.
ولهذا فإن التفاعل الشعبي الكبير مع حضور ولي العهد في «الجوهرة المشعة» لم يكن مجرد حماس جماهيري تجاه شخصية قيادية تحظى بالمحبة والقبول، بل كان انعكاسًا لتحول أعمق يعيشه المجتمع السعودي اليوم؛ إذ لم تعد رؤية التحول الوطني بالنسبة للناس مجرد خطط اقتصادية أو خطابات رسمية تُعلن في المؤتمرات، بل أصبحت تجربة يومية محسوسة يراها المواطن في تفاصيل حياته، وفي شكل مدنه، وفي حيوية المشهد الثقافي، وفي تطور الرياضة، وفي تغير نمط الحياة، وفي صورة المملكة التي تتحرك أمام العالم بثقة متصاعدة وإيقاع مختلف تمامًا عما عرفته المنطقة لعقود طويلة.
فالجماهير التي ملأت المدرجات لم تكن تحتفي بمباراة نهائية فقط، بل كانت تعبّر بصورة غير مباشرة عن حالة جديدة من الثقة الوطنية؛ حالة يشعر فيها المجتمع أن بلاده لم تعد تتحرك بردة فعل على العالم، بل أصبحت تصنع حضورها الخاص وتعيد تعريف صورتها بنفسها، وهو ما يمنح المشهد الرياضي السعودي بعدًا يتجاوز الرياضة ذاتها إلى كونه جزءًا من التحول النفسي والحضاري الأوسع الذي تعيشه المملكة في هذه المرحلة التاريخية.
ولعل أكثر ما يميز «المدرسة السعودية الجديدة» أنها لا تتحرك بمنطق التحديث المستورد الذي يفصل بين الهوية والحداثة، بل بمنطق يحاول إنتاج حداثة تمتلك روحها الخاصة وتنبع من الداخل الثقافي للمجتمع لا من القطيعة معه، ولهذا تبدو الرياضة السعودية اليوم جزءًا من سردية وطنية أكبر تحاول إعادة تعريف صورة الإنسان السعودي بوصفه إنسانًا قادرًا على المنافسة العالمية دون أن يفقد خصوصيته أو ثقته بجذوره، وهو ما يجعل التحول الرياضي في المملكة أعمق بكثير من مجرد نجاح إداري أو اقتصادي، لأنه يتعلق بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والطموح والهوية والحضور العالمي داخل مشروع وطني واحد متماسك.
وحين يحضر ولي العهد إلى المدرجات بين الجماهير، فإن الرسالة الأعمق ربما لا تتعلق بنتيجة مباراة أو تتويج فريق، بل بفكرة أكبر بكثير تتعلق بصعود نموذج سعودي جديد يرى أن بناء المستقبل لا يبدأ فقط من الاقتصاد أو التقنية أو المشاريع العملاقة، بل من بناء الإنسان القادر على أن يشعر أن بلاده تتحرك معه لا بعيدًا عنه، وأنه ليس مجرد متلقٍ للتحول، بل شريك حي في صناعة لحظة تاريخية تعيد تعريف صورة السعودية ومكانتها وثقتها بنفسها أمام العالم.
ولهذا فإن الرياضة السعودية لم تعد مجرد قطاع ناجح، بل أصبحت مرآة تعكس ملامح مشروع حضاري أوسع تحاول المملكة من خلاله أن تقدم نموذجًا مختلفًا في القيادة والتنمية والتحول؛ نموذجًا يرى أن أعظم الإنجازات ليست تلك التي تُشيّد في الحجر وحده، بل تلك التي تُبنى داخل وعي المجتمع وثقته بنفسه وإحساسه بأنه جزء حي من مشروع تاريخي كبير يتحرك بثقة وطموح نحو المستقبل.
المصدر الأصلي: صحيفة الجزيرة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.