على البال

كأس العالم بين البث المفتوح والتشفير والقرصنة

أنتمي إلى جيل عاش مونديالي إسبانيا 1982 والمكسيك 1986، عندما كانت مباريات كأس العالم تصل إلى غالبية المشاهدين عبر القنوات التلفزيونية الحكومية المفتوحة.

لم يكن المشاهد البسيط يشغل باله بالاشتراكات أو التشفير أو البحث عن وسائل بديلة للمشاهدة، وكان المقتدر وغير المقتدر يجلسان أمام الشاشة نفسها، يتابعان الحدث الرياضي الأكبر في العالم، ويعيشان المتعة ذاتها دون أن تكون القدرة المالية جزءًا من تجربة المشاهدة.

واليوم، ونحن نعيش مونديال كأس العالم الحالية وقد اقتربت نهايتها، لا يمكن إلا الإشادة بالمستوى المذهل الذي وصلت إليه صناعة النقل التلفزيوني، زوايا تصوير خارج المألوف، وكاميرات فائقة الدقة، وإعادات بطيئة تكشف أدق التفاصيل، وتقنيات رقمية تتابع حركة اللاعبين والكرة، وإخراج تلفزيوني جعل المشاهد يعيش تفاصيل المباراة وكأنه داخل الملعب، وهي بطبيعة الحال هي تجربة مشاهدة تعكس حجم الاستثمارات الضخمة التي شهدها قطاع البث الرياضي خلال العقود الماضية.

لكن خلف هذه الصورة المبهرة، تدور مباراة أخرى لا يشاهدها الجمهور، بين القنوات التي دفعت مئات الملايين، وأحيانًا مليارات الدولارات، للحصول على حقوق النقل الحصري، وبين شبكات (القرصنة) التي تعيد بث المباريات بصورة غير نظامية خلال لحظات عبر المواقع الإلكترونية والتطبيقات وخدمات البث الرقمي. وهذه ليست مشكلة تخصنا بالشرق الأوسط، بل هي أزمة عالمية تواجه جميع الأسواق الرياضية، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن الخسائر الناتجة عن قرصنة المحتوى الرياضي تصل إلى نحو 28 مليار دولار سنويًا، فيما تؤكد دراسات أوروبية أن البث المباشر يمثل اليوم النسبة الأكبر من عمليات قرصنة المحتوى التلفزيوني، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه صناعة البث الرياضي في مختلف دول العالم.

ومن الطبيعي أن تسعى الجهات المالكة للحقوق إلى حماية استثماراتها، فالأموال الضخمة التي تدفع مقابل حقوق النقل ساهمت في تطوير تقنيات التصوير والإنتاج والإخراج التي نشاهدها اليوم، كما أصبحت حقوق البث أحد أهم مصادر تمويل البطولات والاتحادات الرياضية وتطوير اللعبة نفسها.

لكن في المقابل، يبقى للمشاهد سؤال مشروع، هل أصبحت متابعة أكبر بطولة رياضية في العالم أكثر تعقيدًا وتكلفة مما ينبغي؟، وهل يستطيع الجميع تحمل تكاليف الاشتراكات المتزايدة، خصوصًا مع توزيع البطولات الكبرى بين أكثر من ناقل حصري؟.

صحيح أننا لسنا مع القرصنة بأي حال من الأحوال، لأنها اعتداء على حقوق قانونية واستثمارات مشروعة، لكن استمرارها بهذا الحجم يكشف أن القضية لا تُحل بالتشفير وحده، لأنه كلما ارتفعت تكلفة الوصول إلى المحتوى، واتسعت الفجوة بين قيمة الحقوق وقدرة الجمهور على تحملها، زادت جاذبية البدائل غير النظامية، مهما كانت مخاطرها القانونية أو التقنية.

لقد انتقلنا خلال أربعة عقود من مرحلة كان فيها كأس العالم حدثًا يجمع الجميع أمام شاشة واحدة، إلى صناعة إعلامية واقتصادية ضخمة تقوم على الحقوق الحصرية والتقنيات المتقدمة، وبين المرحلتين حقق النقل التلفزيوني قفزات هائلة تستحق الإشادة، لكن الضحية هو المشاهد البسيط الذي أصبح يواجه تحديات لم تكن موجودة من قبل.

لذلك التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط حماية حقوق البث، بل الوصول إلى معادلة تحمي استثمارات الناقلين، وتضمن استمرار هذا التطور التقني، وتحافظ في الوقت نفسه على حق (الجماهير) في متابعة اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وهذا هو المهم كحق للجماهير، لأنهم وببساطة الشريك الحقيقي في أهمية وقيمة «كرة القدم».