الإمارات تدخل عالم تصنيع الأقمار الصناعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
تعمل شركة "أوربت ووركس" ومقرها العاصمة الإماراتية أبوظبي، على تصنيع الأقمار الصناعية التجارية بكميات كبيرة ومساعدة دولة الإمارات على بناء قدرات فضائية سيادية.

شهدت دولة الإمارات في السنوات الأخيرة إنجازات بارزة في الفضاء، من إطلاق أول رائد فضاء إماراتي إلى نجاح مسبار الأمل في الوصول إلى مدار المريخ.
وتأتي هذه التطورات في إطار استراتيجية الإمارات لتعزيز حضورها في قطاع الفضاء المتنامي.
الآن، مع تركيز دول حول العالم على بناء شبكات أقمار صناعية سيادية خاصة بها وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، تعمل شركة إماراتية على تصنيع أقمار صناعية تجارية على نطاق واسع.
وتعمل شركة "أوربت ووركس" (Orbitworks)، التي تتخذ من العاصمة الإماراتية أبوظبي مقرًا لها، على تطوير أقمار صناعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي ستشكّل كوكبة مكونة من 10 أقمار صناعية لرصد الأرض تحت اسم "Altair" (النسر الطائر)، ويمكن استخدامها في مجالات متعددة، بدءًا من جمع المعلومات الاستخباراتية العسكرية حتى مراقبة البيئة.
تُعد الشركة مشروعًا مشتركًا بين شركة "مارلان سبيس" (Marlan Space) في أبوظبي وشركة "لوفت أوربيتال" (Loft Orbital) ومقرها في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وتخطط لإطلاق أول قمر صناعي لها في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
تشير إحصاءات موقع Orbital Radar إلى أن شركة سبيس إكس الأمريكية تسيطر على حوالي 69% من الأقمار الصناعية النشطة حاليا. في المقابل، تسعى كندا إلى إطلاق مئات الأقمار لحماية سيادتها وتقليل الاعتماد على واشنطن، بينما يطور الاتحاد الأوروبي شبكة تضم 290 قمرا صناعيا.
تصف "أوربت ووركس" نفسها بأنها تساعد في "بناء قدرات فضائية سيادية في دولة الإمارات".
وقال الدكتور حمد الله محب، الرئيس التنفيذي بالإنابة لشركة "أوربت ووركس" والرئيس التنفيذي لشركة "مارلان سبيس" لـ CNN: "لقد أصبح هناك تركيز أكبر بكثير من جانب الدول على امتلاك أصولها الخاصة في الفضاء".
وأضاف محب أنه "ليس بمقدور الجميع تحمّل تكلفة امتلاك الأصول الفضائية الخاصة"، ولذلك سيتم تقديم "Altair" وفق نموذج "الكوكبة كخدمة"، ما يسمح للشركات والحكومات والباحثين باستئجار قدراتها.

أوضح محب أن الأقمار التقليدية تنقل كميات ضخمة من البيانات الخام إلى الأرض لمعالجتها، ما يستغرق ساعات، في حين تعالج أقمار أوربت ووركس البيانات في الفضاء باستخدام الذكاء الاصطناعي، لترسل المعلومات المستخلصة شبه فورية.
وسيكون ذلك ضروريًا للمنافسة عالميًا، في الوقت الذي تقوم فيه شركات أقمار صناعية أخرى بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمتها.
من جانبه، أوضح كوينتن أ. باركر، وهو الأستاذ الفخري في الفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء بجامعة هونغ كونغ: "كل جهة مهمة تعمل في مجال الأقمار الصناعية تتطلع إلى وضع الذكاء الاصطناعي على متن أقمارها".
وقال محب إنه يأمل أن يساعد انضمام الشركة الأمريكية "لوفت أوربيتال" في جذب المزيد من العملاء الغربيين.
وأضاف:"كان هناك الكثير من الإغراء للشراكة مع شركة صينية"، مشيرًا إلى الأسعار التنافسية والاستعداد لمشاركة الملكية الفكرية.
وأشار محب إلى أن هناك محادثات جارية مع عملاء محتملين قد يرغبون في الاستفادة من قدرات "أوربت ووركس" التصنيعية. ويضم مصنع الشركة، الذي تبلغ مساحته 4,645 متر مربع (50 ألف قدم مربعة)، القدرة على تصنيع 50 قمرًا صناعيًا سنويًا، يصل وزن الواحد منها إلى 500 كيلوغرام.
اقتصاد الفضاء المتنامي
بلغت قيمة سوق الفضاء العالمي نحو 224 مليار دولار في عام 2024، وفقًا لتقرير صادر عام 2025 عن مجموعة بوسطن الاستشارية، وجاء الجزء الأكبر من هذا النمو من الاتصالات عبر الأقمار الصناعية ورصد الأرض. وقُدّرت قيمة سوق الفضاء في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بنحو 18 مليار دولار، مع مساهمة الإمارات بما يتراوح بين 40 و45% منها.
وتخطط الإمارات لمضاعفة إيرادات اقتصاد الفضاء لتُصبح ضمن أكبر 10 اقتصادات فضائية في العالم بحلول عام 2031، في إطار جهودها لتنويع اقتصادها استعدادًا لمرحلة ما بعد النفط.
على الصعيد العالمي، أدت شركات الفضاء الخاصة إلى خفض التكاليف وتسريع الابتكار، فعلى سبيل المثال، خفضت "سبيس إكس" تكاليف الإطلاق بشكل كبير بفضل تقنيتها الرائدة في الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام.
خلال العقود الأخيرة، أنشأت الإمارات مؤسسات متخصصة في مجال الفضاء، ووضعت لوائح لتنظيم الأنشطة الفضائية التجارية، وضخت استثمارات كبيرة. وقد أُنشئ صندوق الفضاء الوطني بقيمة 3 مليارات درهم إماراتي (820 مليون دولار) لدعم التعاون بين الشركات الدولية والإماراتية وبناء المعرفة والخبرات الوطنية.

وساعد هذا الاستثمار في دفع نمو القطاع الخاص في الإمارات، والذي يشمل جيلًا جديدًا من الشركات مثل "أوربت ووركس" التي تصف نفسها بأنها "أول شركة خاصة للبنية التحتية الفضائية في الشرق الأوسط".
ولا تزال لدى الإمارات خطط لمهمات فضائية كبرى، مثل رحلة طولها 5 مليارات كيلومتر (3.1 مليارات ميل) إلى حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، والمقرر إطلاقها في عام 2028. لكن خلال العام أو العامين الماضيين، ركزت الدولة بشكل متزايد على إنشاء بنية تحتية أمنية فضائية سيادية وتطوير تقنيات لاقتناص الفرص الاقتصادية، وفقًا لما ذكره فيصل حمادي، وهو المدير الإداري والشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية في دبي لـ CNN عبر البريد الإلكتروني.
وقال حمادي: "خلال جزء كبير من تاريخها المبكر، كانت الإمارات تشتري الأقمار الصناعية والخبرات من الخارج، لكن الاستراتيجية الوطنية تهدف الآن بشكل واضح إلى بناء منظومة قائمة على السوق بدلًا من منظومة تقودها الحكومة فقط".
وأضاف أن "انخفاض تكاليف الإطلاق وظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي يفتحان مجالات تجارية جديدة، بدءًا من مراقبة البنية التحتية للنفط والغاز وصولًا إلى الاستجابة للكوارث وتتبع التغير المناخي".
ستستخدم أكاديمية أبوظبي البحرية المعلومات الاستخباراتية المستمدة من أقمار "أوربت ووركس" لإدارة الموانئ، بما في ذلك توفير معلومات آنية عن حركة السفن. كما سيستخدم صندوق أبوظبي للتنمية، الذي يقدّم المساعدات في الدول النامية، أقمار "Altair" لمراقبة مشاريعه عن بُعد. كذلك وقعت وكالة الفضاء الفرنسية اتفاقية تعاون، وفقًا لـ"أوربت ووركس".
وقال محب: "هذا يمثل تأييدًا كبيرًا لنا"، مضيفًا أن ذلك يشير إلى تحول الإمارات من دولة تشتري خدمات فضائية من فرنسا إلى دولة تقدّم خدمات فضائية.
تستكشف "أوربت ووركس" خيارات تمويل محتملة لخطة توسع بقيمة مليار دولار، لمساعدتها على إرسال 40 قمرًا صناعيًا إضافيًا إلى المدار.
يأتي هذا التوجه في وقت تتسابق فيه الدول لامتلاك أصول فضائية سيادية في ظل توترات جيوسياسية متزايدة. ويعكس نموذج 'الكوكبة كخدمة' الذي تتبناه أوربت ووركس تحولا نحو تسهيل الوصول إلى خدمات الفضاء دون تكاليف الملكية الباهظة. كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات فضائيا يمثل قفزة نوعية في سرعة التحليل واتخاذ القرار.
المصدر الأصلي: CNN بالعربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.