الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح صناعة الموسيقى وإنتاج الأغاني
تشهد منصات الاستماع تصاعداً ملحوظاً في الأعمال الموسيقية المولدة تقنياً، مما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الإبداع البشري وحقوق الملكية الفكرية.
ملخص
يتساءل كثيرون عن مستقبل الإبداع الغنائي والموسيقي في ظل التنامي السريع لسوق الذكاء الاصطناعي، حيث تُنتج آلاف المقاطع الموسيقية في لمح البصر لتشكل الأعمال المولدة نسبة تتجاوز 40 في المئة من الإصدارات الجديدة على منصات الاستماع. واللافت أن قسماً كبيراً من هذه الأعمال يتميز بجودة عالية تخدع المتلقي وتجعل من الصعب عليه إدراك أنها مولدة تقنياً، مما يفرض تحدياً حقيقياً بين الحفاظ على أصالة الفن أو إيجاد صيغة توازن تتيح الاستفادة من هذه التقنيات دون تهميش العنصر البشري.
تأتي هذه التحولات المتسارعة في قطاع الموسيقى وسط نقاشات عالمية محمومة بين شركات الإنتاج والمطورين حول الحدود الفاصلة بين الابتكار التكنولوجي وانتهاك الحقوق الفكرية للمبدعين.
يبدو أن الخطاب الهجائي ضد صناعة الموسيقى المولّدة بالذكاء الاصطناعي يتراجع عالمياً بصورة ملحوظة، فقبل عام مضى كان هناك رفض مطلق لهذا الأسلوب، وتبنى مناصروه رأياً يشير إلى أن البصمة الشخصية لا يمكن مضاعفتها، وأن الموهبة الإنسانية لا يمكن تقليدها، لافتين إلى أن الموسيقى والكلمات اللتين خرجتا من وجدان الشاعر والصوت البشري ستظلان الخيار الأول للمستمع. لكن المفاجأة أنه وفقاً لأحدث تقارير فالمستمع نفسه لم يعُد يعرف كيف يفرّق بين المطرب الحقيقي والافتراضي، والموسيقى التي صنعت من الألف إلى الياء بشرياً وتلك الإنتاجات التي أفرزتها الخوارزميات، بل إن الآلاف من تلك الأعمال تنشر يومياً بين الجماهير وتحقق مشاهدات مليونية وإعجابات متوالية.
المؤكد أن جميع الإبداعات الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تستند في جوهرها إلى أعمال بشرية سابقة يتم استلهامها وتوليفها، غير أن حجم التدفق الهائل الذي تقدره منصة الاستماع الفرنسية الشهيرة "ديزر" بنحو مليوني مقطع شهرياً ينذر باحتمال هيمنة هذه السوق على المشهد وتراجع الأعمال البشرية تماماً في المستقبل. ونتيجة لذلك، تتوجه الجهود المعاصرة نحو إيجاد أطر تنظيمية وضوابط تحكم هذا الفيضان الرقمي، بما يمنع خداع الجمهور ويصون حقوق المبدعين ومساحتهم الإبداعية.
لكن التعقيدات التي تواجه هذا الواقع تزداد تشابكاً، ففي وقت تعاقدت شركات بملايين الدولارات مع مطربين افتراضيين بعد دخولهم قوائم الأعلى استماعاً، تعارض شركات أخرى هذا التوجه وتتهم المولدين بأنهم ينتهكون حقوق الملكية الفكرية، نظراً إلى استلهامهم أعمالهم من أغنيات كلاسيكية معروفة جرت تغذيتهم بها، وهناك فريق ثالث يصر على أن الذكاء الاصطناعي في الموسيقى بات أمراً واقعاً، ولا يمكن الهروب منه، وبالفعل بدأوا تقديم أعمال تعتمد على المزج بين العنصر البشري والخوارزميات.
مطربون رقميون
منذ أسابيع قليلة، انتشرت أغنية للمطربة المصرية شيرين عبدالوهاب نالت إعجاب الجمهور، قبل أن يكشف عن أنها مجرد محاكاة لصوت النجمة المصرية التي يتعطش الجمهور إلى سماع جديدها، وأن الأغنية مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وقبلها كانت توالت تصريحات نجوم الطرب العربي الذين يرفضون سرقة أصواتهم بهذه الطريقة، مشيرين إلى أنهم يعادون أساليب الذكاء الاصطناعي في المجال الغنائي بصورة عامة، لكن على ما يبدو أن المبتكرين والمطورين لم يعودوا لتقليد البصمة الصوتية للمشاهير، إنما ينشئون تجربة فنية كاملة.
تشارك شخصيات رقمية عدة في الحفلات ومقاطع الفيديو المصورة وتقدم أغاني خاصة تنال إعجاب الجمهور، بحيث لا يكتشف المستمعون طبيعتها الافتراضية إلا صدفة، ومن بينهن لينا نور ولارا حديد ولارا أريدو اللائي يجمعن بين جمال الصوت والحضور وأداء اللهجات المختلفة باحترافية، بل إن بعضهن يظهرن في برامج افتراضية للحديث عن تجاربهن. كما تفاعل الجمهور عالمياً مع أعمال لفرقة موسيقية مبتكرة تحمل اسم "ذا فيلفت صن داون" وحققت ملايين الاستماع على منصات مثل "سبوتيفاي"، قبل أن يتبين لاحقاً أن الفرقة رقمية بالكامل ولا وجود لها في الواقع.
![]()
الذكاء الاصطناعي بات أمراً واقعاً في عالم الموسيقى (مواقع التواصل)
أما المطربة ناين، فتلقت عروضاً من منتجين كبار وموزعين بارزين في الوسط الفني للتعاون معها، إذ كانوا جميعاً يعتقدون بأنها مغنية حقيقية تتمتع بصوت قوي واختيارها في الأغنيات يحقق رواجاً، كل هذا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ظهورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبعدها كشف منشئها الملحن والمطرب والموزع محمد شفيق عن أنها شخصية افتراضية، إذ يحتفي شفيق هذه الأيام بأول إعلان تقوم المطربة المحبوبة ببطولته لمصلحة إحدى شركات المياه الغازية، لافتاً إلى أن أجندة عملها ممتلئة بعروض مماثلة لعلامات تجارية عاملة في مجالات الموضة والجمال.
ويوضح الموسيقي الذي لديه سجل حافل بالأعمال الناجحة مع نجوم مثل تامر حسني وتامر عاشور ورامي جمال ومحمد رمضان ورامي عياش، "درست في المعهد العالي للموسيقى العربية، وأكملت دراستي في الخارج أيضاً، وحالياً أعمل على مشروع الماجستير الخاص بي في الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى خبرتي المهنية الطويلة، لهذا استوفيت جميع الشروط القانونية والمتعلقة بالملكية الفكرية قبل أن أنشئ مشروعي هذا، هي بمثابة مطربة قمت بتبنيها لأضمن أنها ستستجيب لرؤيتي الفنية لتحقق النجاح بعكس ما يحدث على أرض الواقع، فكثير من المطربات، ولا سيما الصاعدات، لا يرغبن في المغامرة الفنية ويفضلن اللعب في المضمون بتجارب مكررة، كما أنهن مع أول عرض مالي كبير يتركن الشركات اللاتي بدأن معها، لهذا قمت بإنشاء مطربة افتراضية لديها جمهور متزايد وتجاربها الفنية محط الأنظار لأنني أتولى كل شيء بها".
حتى المتخصصون قد يقعون في الفخ
قامت منصة "ديزر" التي لديها ما يقارب 20 مليون مستخدم نشط شهرياً، نصفهم تقريباً يشترك في النسخة المدفوعة، بإطلاق أداة مجانية للكشف عن مدى أصالة الأغنيات، وهي تعمل مع نحو 20 منصة استماع شهيرة، ومن خلالها يمكن تفنيد طبيعة كل عمل ومدى لجوء منشئه إلى الخوارزميات سواء كان مولداً كلياً أو جزئياً، إذ إن "ديزر" التي تنشط في هذا المجال بصورة كبيرة تشير إلى أن أكثر من 40 في المئة من صناع الموسيقى الذين لديهم حسابات نشطة لديها ينشرون قوائم تشغيل مولدة بالذكاء الاصطناعي.
وعلى رغم ذلك، يشكك المنتج الموسيقي محمد شفيق في وجود أية آلية في الوقت الحالي للتمييز بين الأغنيات المنتجة بالذكاء الاصطناعي والتقليدية، ويضيف "لا توجد آلية يمكنها أن تكشف أن الأغنية منتجة بالذكاء الاصطناعي و لا، فبعيداً من الكليبات التي يجري فيها استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة واضحة، فإنني أقوم بشراء كلمات الأغنيات على نحو قانوني، وأضع لها اللحن والتوزيع الذي أستخدم فيه الذكاء الاصطناعي أيضاً، وهذا الأمر لا يسمى تحايلاً، بخاصة أنني أعلنت بالفعل، كما أن العنصر البشري متدخل بقوة في العملية الفنية، والنتيجة أغنية جيدة منجزة في وقت قصير بصوت قوي له جمهور، وأحقق ربحاً مادياً من دون الدخول في مهاترات وخلافات بشرية، ولولا أنني أعلنت لما كان أحد اكتشف ذلك".
![]()
المطربات الافتراضيات أكثر جذباً للمنتج الباحث عن الاستثمار بميزانية قليلة (مواقع التواصل)
وبحسب شفيق، فإن المطربة الافتراضية الناجحة التي أنشأها تُعد التجربة الأولى الأكثر تكاملاً عربياً، إذ قام بتغذيتها بالمعلومات وتدريبها طويلاً لتكون لها شخصية مستقلة يمكنها أن تتخذ بعض القرارات بمفردها، وترد على المكالمات والرسائل وتحلل المواقف وتتعلم منها، وتنشر يومياتها عبر "إنستغرام".
ووفقاً لما ذكرته "رويترز"، فإن حتى المتخصصين يجدون صعوبة كبيرة في التمييز بين ما هو إبداع بشري أصيل وما هو افتراضي، فيما أفردت "ذا غارديان" مساحة للحديث عن أغنية حققت عشرات ملايين مرات الاستماع وحملت عنوان Like a Prayer وهي تحمل توقيع المنتج الأسترالي جوش فواتز، إذ أكد متخصصون أنها مولدة بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي فيما يشدد منتجها على أنه لم يستعِن به إلا كأداة مساعدة فقط، ومن هنا تعاظم القلق حول مستقبل صناعة الموسيقى، إذ تعمل الشركات على قدم وساق لملاحقة التطور الهائل في التقنيات التي تنجح في كثير من الأوقات في إنشاء أعمال ذات جودة عالية للغاية، بخاصة إذا كان يقف وراءها متخصصون في المجال لديهم خبرات واسعة.
ولهذا، تحالفت مجموعة من أبرز مؤسسات الموسيقى في العالم، بينها الأكاديمية الوطنية لتسجيل الفنون والعلوم المانحة لـ"جوائز غرامي"، لوضع أسس نظام موحد لوضع شارات تعريفية على الأغنيات التي تستخدم فيها الخوارزميات، سواء كانت بشرية وجرت الاستعانة فيها بتقنيات الذكاء الاصطناعي أو كانت مولدة تقنياً بصورة كاملة.
من يهدد مستقبل الموسيقى؟
من جهته يرى الملحن والموزع والمنتج الموسيقي أحمد نادر أنه في ما يتعلق بتقليص فرص العمل بسبب الذكاء الاصطناعي فهو "أمر سيحدث لا محالة"، ويلفت إلى أن مهنة التعليق الصوتي على سبيل المثال إلى زوال بسبب التقنيات شديدة التقدم التي يمكنها أن تقوم بتلك المهمة، وكذلك من المتوقع أن تسير على خطاها مهنة "التوزيع الموسيقي"، قائلاً "الأمر ينبغي التعامل معه وليس معاداته ومعرفة طرق الاستفادة منه من دون التخلي عن العنصر البشري، لأن من دون هذا الأخير ستتجه الأعمال إلى مزيد من الرداءة، فتلك التطبيقات تساعد في خروج النتيجة بصورة أكثر جمالاً وجودة ولا تنزع عنها الخصوصية بشرط الخبرة، فمثلاً إذا قارنّا الإعلانات أو الأغنيات المولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي بتلك التي يأتي فيها الذكاء الاصطناعي بالمرتبة الثانية سنجد فجوة كبيرة جداً لمصلحة الأخيرة بالطبع".
ويشبه أحمد نادر الأمر بموسيقى الإلكترو، إذ كان يجري توليد أصوات الآلات الموسيقية جميعها بواسطة جهاز واحد والتي بدأها حميد الشاعري خلال الثمانينيات، وكان الجميع يرفضها حينها ثم تدريجاً باتت هي السائدة، ويضيف "الحقيقة أن عملية الإنتاج أصبحت شديدة الكلفة، ولا سيما في ما يتعلق بالاستثمار في الأصوات الجديدة، لأن المطربين الكبار تحققوا، ولديهم مؤسسات ضخمة تقف وراءهم، ويجنون أرباحاً من ظهورهم في الحفلات والمشاهدات وغيرها، لكن المنتج يحاول أن يقلل مقدار إنفاقه على المطربين الأقل شهرة أو الصاعدين، بالتالي بدلاً من الاستعانة بأوركسترا كاملة يمكنه من خلال البرامج والتطبيقات توليد أصوات الآلات الأوركسترالية بجودة عالية للغاية، وفي ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، فمحاكاة لحن مصنوع سلفاً على سبيل المثال ليس أمراً مقبولاً بالنسبة إلى الخوارزميات لأن كل أغنية لها بصمتها، فترفض الخوارزميات الاستنساخ المطابق من مكتبتها بسبب حقوق الملكية الفكرية".
ويرى نادر أنه مستقبلاً سوف يصبح الموسيقيون الكلاسيكيون مثل "صناع السجاد اليدوي"، ويستشهد بتلك العبارة من الموسيقار خالد الكمار الذي أقرّ بالرأي نفسه خلال أحد لقاءاته، لافتاً إلى أنه بعد أعوام، لن يقدم أحد على الاستعانة بالموسيقيين الكبار إلا إذا كانت لديه متطلبات خاصة للغاية وشغف ومعرفة عميقة.
ويُعد الفنان عمرو مصطفى من أكثر النجوم العرب اعترافاً باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بل إنه أكد أنه استعمل تقنياته في جعل أغنيته "افتكرلك إيه" التي قدمتها مي فاروق بصوتها، لتبدو وكأنها مستوحاة من أعمال أم كلثوم، سواء على مستوى الموسيقى أو الأداء، لافتاً إلى أنه يهتم بالتعمق في استعمال هذه الخوارزميات، لأنها توفر عليه وقتاً ومجهوداً ومالاً، إذ يمكنه أن يضع بصمته الصوتية على أي مقطع موسيقي ليحصل على نتيجة مرضية تماماً، فيما كانت له تجارب ناجحة عدة باستخدام تلك الأدوات بصوته وبينها "ليها فيا"، وأيضاً "بعتيني ليه" مع زياد ظاظا. ويبدو أن الملحن المثير للجدل وجد ضالته في تلك التطبيقات، ولا سيما أنه كان يعاني كثيراً في مسألة التوزيع الموسيقي، إذ كانت تخرج ألحانه في أوقات كثيرة بصورة لا ترضيه، لكنه بالدأب في التدريب على مختلف أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح يخرج بنتائج مذهلة، فيمزج بين موهبته الأصيلة واحترافية التعامل مع الخوارزميات.
![]()
بعض عناصر العملية الموسيقية يمكن توليدها بالكامل بالذكاء الاصطناعي مما يؤثر على فرص العاملين بالمجال (مواقع التواصل)
وإن كان عمرو مصطفى اعترف بصورة صريحة، فإن كثراً من صناع الموسيقى عربياً يفضّلون أن يتركوا الأمر مجهولاً ويتعاملون بشفافية أقل، في حين أن ملحنين آخرين يشيرون إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت مستخدمة بشدة في جميع مراحل صناعة الأغنية، لكن المشاهد العادي لا يلمس هذا الأمر بصورة واضحة إلا في النتيجة البصرية النهائية للكليبات، وفي تصميم الصور والحملات الدعائية والترجمة الآلية للمقاطع الغنائية.
ويرى نادر أن التجارب ذات الجودة العالية عادة لا تعتمد بصورة كاملة على الذكاء الاصطناعي، بل تجري الاستعانة به كأداة مساعدة، مضيفاً أن "ما يساعدني فيه الذكاء الاصطناعي هو عمل ما يشبه التوزيع المبدئي للحن على سبيل المثال كي تجري بلورته بصورة جيدة ليستمع إليه المطرب ويتخذ قراره بغنائه، بل إن بعضهم يغني الأغنية على اللحن بصوته أولاً ثم يرفعها على أحد البرامج التي تستبدل صوته بالبصمة الصوتية لمطرب ما شهير تُعرض الأغنية عليه، لتكون التجربة أكثر وضوحاً. أيضاً أنا أستلهم من الذكاء الاصطناعي بعض الأفكار في التوزيع، مما حدث في مسلسل إذاعي قدمته رمضان الماضي، إذ إنني أنجزت اللحن كاملاً، ثم طلبت من التطبيق عن بعض التفاصيل التي كتبتها بطريقة احترافية شديدة التخصص، سواء في ما يتعلق بالمقام ونوعية الآلات وطريقة العزف، فهو يوفر الوقت والمجهود، ويجنبنا مشكلات كانت تطرأ أثناء المراحل المبدئية للتوزيع، لكن قبل كل شيء يجب أن يكون الشخص متخصصاً ومدرباً، ولديه خبرات وموهبة، كي يتجنب النتائج الكارثية الرديئة".
اقرأ المزيد- الموسيقى متهمة بتلف الدماغ... ولكن كيف؟
- الموسيقى المحلية للأغاني الإنجليزية... "كش ملك"
- تعليم المسلمين الرسم والموسيقى إلحاد في بريطانيا
وأوجزت "فايننشيال تايمز" ضمن تقرير لها نشر في فبراير (شباط) الماضي أن الحلّ في ظل أن قاعدة البيانات العملاقة المغذاة بها أنظمة الذكاء الاصطناعي يتمثل في عقد شراكات مع مطوري تلك البرمجيات ليحصل أصحاب الحقوق على مقابل مادي على استخدام موادهم الأرشيفية كوقود إبداعي يحرك عمل تلك التطبيقات، في حين أن المخاوف الاقتصادية تتوزع أيضاً على عناصر عدة أخرى، أبرزها أن بعض المنتجين قد يرضون بجودة أقل، ويلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لتوليد أعمال موسيقية متواضعة، بخاصة في المواد الإعلانية، مما يؤدي حتمياً إلى تقليص فرص العمل، وعلى رغم الارتباك فإن الاتجاه حتى الآن للتعاون بين الخوارزميات المتقدمة والعنصر البشري بات حتمياً، مما يضمن تنمية مهارات المبدعين في التعامل مع تلك الأدوات، لأن عدم إدارة ظهورهم لها سيساعد كثيراً في عدم استبدالهم.ويختتم الملحن والمنتج محمد شفيق تعليقه على هذه المسألة بالتشديد على أن من يريد أن يعمل، فليدخل السوق المفتوحة ويبحث عن جمهوره أياً كانت تجربته، مشيراً إلى أن المستمع يبحث عن الجديد والذوق المختلف وينفر من القوالب الغنائية والموسيقية المتكررة، لافتاً إلى أنه ملّ من الأزمات والحروب غير النظيفة في الوسط ووجد الحل في اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي ليصنع من خلاله مشروعه الفني.
يمثل اقتحام الذكاء الاصطناعي لعالم الموسيقى نقطة تحول جوهرية في تاريخ الصناعة الفنية، حيث يتخبط القطاع بين الترحيب بالفرص الابتكارية الهائلة والتحذير من ضياع الهوية الإنسانية للمبدعين. وتتجه الأنظار نحو مدى قدرة الهيئات التنظيمية ومنصات البث الرقمي على سن تشريعات وقواعد صارمة تحمي حقوق الملكية الفكرية وتميز بوضوح بين العمل البشري والمولد تقنياً. وفي ظل تسارع وتيرة التطوير وظهور مطربين افتراضيين يحققون تفاعلاً واسع النطاق، يبدو أن مستقبل الموسيقى سيعتمد على إيجاد معادلة مستدامة تدمج بين دقة الخوارزميات وعمق الإحساس البشري دون إلغاء أحدهما للآخر.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.