الذكاء الاصطناعي يعيد هندسة أسبوع العمل
ملخص
في عام 2023، أظهرت بيانات شركة "مايكروسوفت" أن الموظف العادي يهدر أكثر من نصف وقت عمله في أنشطة التواصل كالبريد الإلكتروني والمحادثات الفورية والاجتماعات، فلا يتبقى له سوى 43% من وقته للعمل الإبداعي أو التحليلي المركز. وهذا يعني أن الموظف يقضي خمسة أيام في الأسبوع في العمل، لكنه لا يستثمر فعلياً سوى يومين وبضع ساعات في إنجاز عمل حقيقي ذي قيمة، بينما يضيع الباقي في مراسلات عاجلة واجتماعات غير منتجة.
هذه الإحصاءات تثير تساؤلات جدية حول مفهوم الإنتاجية في عصر الرقمنة، خاصة في ظل تجارب دولية مثل أيسلندا التي أثبتت أن تقليص ساعات العمل يمكن أن يحافظ على الإنتاجية أو حتى يرفعها.
تخيل أن تستيقظ صباح الخميس بذهن صاف، وأنت تعلم أن يومك هذا بداية عطلة نهاية أسبوع ممتدة، من دون الخوف من خصم الراتب أو تراكم المهام.
يبدو الأمر كأنه رؤية حالمة في عالمنا العربي، إذ تقاس الإنتاجية غالباً بعدد الساعات التي يقضيها المرء وراء مكتبه، لكن تجربة أيسلندا لأسبوع العمل القصير أعادت طرح السؤال من زاوية مختلفة تماماً، إذ أثبتت أن خفض ساعات العمل إلى 36 ساعة أسبوعياً من دون تقليص المرتبات حافظ على مستوى الإنتاجية ذاته، في حين رفع الإنتاجية في بعض القطاعات.
ذوبان الساعات
كشفت بيانات "مايكروسوفت" لعام 2023 أن الموظف العادي يقضي 57 في المئة من وقته في أنشطة التواصل، كالرد على البريد الإلكتروني والمحادثات الفورية والتنقل بين الاجتماعات، ولا يخصص سوى 43 في المئة للعمل الإبداعي أو التحليلي المركز، أي أن أكثر من نصف يوم العمل يتبخر، وهذا يعني أن الموظف يذهب إلى عمله خمسة أيام في الأسبوع، لكنه لا يستثمر عملياً سوى يومين وبضع ساعات منها في إنجاز عمل حقيقي ذي قيمة، بينما يذوب الباقي بين رسالة عاجلة واجتماع لا يفضي إلى قرار.
وتقدر مؤسسة "ماكينزي" أن البريد الإلكتروني وحده يستهلك نحو 28% من أسبوع العمل، أي حوالي 11 ساعة أسبوعياً تُقضى في القراءة والكتابة والفرز.
والسؤال المطروح هو كيف نستعيد هذا الوقت من دون أن نفقد جودة العمل؟ وهل يستطيع الموظف المعاصر، لا سيما العربي المثقل بثقافة عمل تقليدية تقدس الحضور الطويل، أن يعيد هندسة أسبوعه مستعيناً بقوة التكنولوجيا ويستعيد يوماً كاملاً منه؟
تعمل طويلاً وتنجز قليلاً
يجب علينا بدايةً أن نواجه الواقع الذي يعيشه غالب المهنيين العرب، والذي لا يكمن في ضعف المهارات، بل فيما يسميه المتخصصون "المستنقع الرقمي"، أي كثرة المنصات الإلكترونية والوجود عليها جميعاً في الوقت نفسه مما يسرق من الموظف وقته وطاقته وجهوده.
فكر في يومك العادي، ستجد نفسك في دوامة من المهام التي تكاد لا تنتهي، وكل منها يغرقك أكثر بدلاً من أن يشعرك بالإنجاز أو يخفف عنك الأحمال، تصل إلى المكتب وتفتح حاسوبك لتجد عشرات الرسائل غير المقروءة على البريد الإلكتروني وبرامج المراسلة، فتبدأ في الرد عليها واحدة تلو الأخرى، وفجأة يقاطعك إشعار باجتماع فوري لمناقشة موضوع كان يمكن اختصاره برسالة مقتضبة، فتخرج من الاجتماع منهكاً بعد مرور ساعة كاملة، وحين تحاول العودة إلى مهمتك الأساسية، تبحث عن تركيزك فلا تجده، إذ يكون قد تبخر كأنه لم يكن.
والأمر لا يتوقف عند مكان العمل، بل يمتد إلى المنزل، ففي المساء، وبينما تهم بإغلاق الحاسوب، تتلقى رسالة مستعجلة على "واتساب" تضطرك إلى فتح الجهاز مجدداً في البيت، منهياً يوم عمل امتد 12 ساعة متقطعة أنجزت فيها بالكاد ما يمكن إنجازه في أربع ساعات مركزة.
![]()
التكنولوجيا قد تكون المفتاح الأمثل للخروج من هذا المأزق (أ ف ب)
هذه الفوضى في تعدد التطبيقات وتشتت المعلومات بين المواقع والمنصات، إلى جانب ثقافة الرد الفوري المتجذرة في بيئات العمل العربية، تخلق ساعات عمل خفية وتؤدي إلى الاحتراق الوظيفي وفقدان الشغف.
التكنولوجيا نفسها، وإن كانت جزءاً من المشكلة، قد تكون، إن أحسن استخدامها بذكاء، المفتاح الأمثل للخروج من هذا المأزق.
تفويض الذكاء الاصطناعي
كثر لا يزالون ينظرون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي كإضافة تقنية أخرى تثقل يوم العمل بدلاً من أن تخففه، لكن الفارق الجوهري بين هذه الموجة التقنية وسابقاتها أنها لا تكتفي بتنظيم المعلومة، بل تنتج محتوى جاهزاً للاستخدام، على غرار مسودة بريد أو ملخص اجتماع أو تحليل بيانات أو حتى عرض تقديمي كامل، انطلاقاً من طلب بسيط بلغة بشرية طبيعية.
في الأعمال التي تتكرر فيها مهمة معينة بالنمط نفسه أسبوعياً، مثل تحديث بيانات أو إرسال تقرير دوري، يمكن لأدوات ربط التطبيقات أن تنجز هذه السلسلة تلقائياً بمجرد إدخال المعطيات الأولية، من دون تدخل يدوي في كل خطوة، وهي هنا لا تكتفي بنقل البيانات من مكان إلى آخر، بل تفهم السياق وتصوغ المحتوى بنفسها، كأن تكتب ملخصاً تحليلياً للتقرير لا مجرد نقل أرقامه.
ويمكن الاستعانة بأدوات تصوغ مسودات البريد الرسمي والتقارير انطلاقاً من نقاط موجزة يكتبها الموظف، وبدلاً من قضاء نصف ساعة في صياغة رسالة حساسة لعميل، تصاغ المسودة الأولى في ثوان، ويقتصر دور الموظف على التدقيق والتخصيص.
أما بالنسبة إلى الاجتماعات فيمكن الاستعانة بأدوات التفريغ الصوتي والتلخيص الآلي، التي تتولى توثيق الاجتماع نيابة عن الموظف عبر تسجيل النقاش واستخراج القرارات والمهام الموكلة لكل شخص وإنتاج محضر منظم فور انتهاء الاجتماع. وهذا يلغي أي حاجة إلى تدوين الملاحظات يدوياً أثناء الحديث، ويتيح التركيز الكامل على النقاش نفسه بدلاً من الانقسام بين الاستماع والكتابة.
وفي السياق نفسه، يمكن لأدوات أخرى أن تختصر محتوى تقرير طويل أو دراسة يتطلب استيعابها قبل اجتماع مهم في نقاط رئيسة خلال دقائق، مع الاحتفاظ بالسياق العام للمستند، وهذا يوفر بديلاً سريعاً لفرز الأولويات وتحديد أي التقارير يستحق وقتاً كاملاً، وأيها يكفيه ملخص من خمس نقاط.
إعادة هيكلة الأسبوع
في الواقع، فإن توفير بضع ساعات يومياً بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا يعني أن بالإمكان حذف يوم كامل من الأسبوع مباشرة، فالانتقال الفعلي إلى أسبوع عمل من أربعة أيام يتطلب إعادة هيكلة مدروسة، لا مجرد تفريغ الجدول.
النموذج الأكثر اعتماداً عالمياً، والمعروف بمعادلة "100-80-100"، يقوم على مبدأ واضح، يحصل الموظف على راتبه كاملاً مقابل العمل 80 في المئة فقط من ساعاته المعتادة، أي ما يعادل 32 ساعة أسبوعياً بدلاً من 40، شرط الحفاظ على الإنتاجية كاملة عند 100 في المئة.
الفارق الجوهري بين هذا النموذج والنموذج المضغوط، الذي يوزع الساعات الـ40 ذاتها على أربعة أيام أطول، هو أن الأول يقوم فعلاً على خفض حجم العمل، لا على إعادة توزيعه فحسب.
اقرأ المزيد- لماذا أصبح الأميركيون في صدارة الخاسرين من توسع الذكاء الاصطناعي؟
- "ميتا" تتراجع وتوقف أداة لتوليد الصور بالذكاء الاصطناعي
- منظمات إغاثية تراهن على الذكاء الاصطناعي لتطوير عملياتها الميدانية
والتجربة الأوسع نطاقاً حتى الآن هي تلك التي أشرفت عليها منظمة "فور داي ويك غلوبال" بالتعاون مع باحثين من جامعتي كامبريدج وبوسطن في بريطانيا عام 2022، وشملت 61 شركة ونحو 2900 موظف على مدى ستة أشهر، إذ واصلت 56 شركة من أصل 61 تطبيق النظام بعد انتهاء التجربة، بينما ارتفعت إيرادات الشركات المشاركة بمعدل طفيف بلغ 1.4 في المئة في المتوسط، بحسب بيانات الشركات الـ23 التي تمكنت من تقديم أرقامها، مما يؤكد أن خفض الساعات لم يمس الأداء المالي، في حين انخفضت معدلات الاستقالة بنسبة 57 في المئة، وتراجع الغياب المرضي بنسبة 65 في المئة.
سبقت هذه النتائج مرحلة تحضير امتدت شهرين، شملت ورش عمل وإرشاداً للشركات المشاركة، قبل حذف أي شيء من الجدول.
لا للتكديس
في السياق هناك خطأ شائع بين المؤسسات والأفراد على حد سواء، وهو تجميع عدد كبير من الأدوات المتشابهة الوظيفة، على أمل أن يزيد ذلك من الإنتاجية، لكن التجربة العملية تظهر عكس ذلك تماماً، إذ تظهر النتائج الحقيقية عند اختيار عدد محدود من الأدوات، كل واحدة تعالج جانباً محدداً بدقة، أداة للكتابة، وأخرى للاجتماعات، وثالثة لإدارة الوقت، بدلاً من تكديس عشرات التطبيقات التي تعقد الأمر بدلاً من أن تحله.
ببساطة، الأداة التي توفر وقتاً فعلياً هي التي تندمج بسلاسة في سير العمل القائم، لا التي تفرض على المستخدم تعلم منظومة جديدة بالكامل، والخطوة الأولى نحو استعادة ساعات كاملة من أسبوعك تبدأ بمهمة واحدة متكررة ومملة تقرر تفويضها لأداة تنجزها نيابة عنك.
وفي النهاية، لا يلغي الذكاء الاصطناعي التوليدي الحاجة إلى الإشراف البشري أو الخبرة المهنية، بل يعيد توزيع الوقت بحيث يذهب الجهد الحقيقي إلى التفكير والقرار والتعاطف الإنساني الذي لا تستطيع أي آلة أن تحل محله.
والسؤال الذي يستحق التوقف عنده الآن هو، كم ساعة من أسبوعك تذهب في مهام يمكن لأداة ذكاء اصطناعي تأديتها نيابة عنك خلال دقائق؟
التكنولوجيا إذاً قد تكون المفتاح للخروج من هذا المأزق، لكنها تحتاج إلى إدارة واعية وثقافة عمل متجددة. فبدلاً من أن تتحول إلى عبء إضافي، يمكن للأدوات الرقمية أن تحرر الوقت وتعيد تعريف أسبوع العمل. السؤال يبقى: هل يستطيع الموظف العربي، المثقل بثقافة عمل تقليدية تقدس الحضور الطويل، أن يعيد هندسة أسبوعه ويستعيد يوماً كاملاً من وقته الضائع؟
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.