هل حان وقت تقاعد التلفزيون الإخباري؟
التاريخ الإعلامي يعلمنا أن الوسائل الجديدة لا تلغي الوسائل السابقة، بل تعيد تعريف وظائفها، فالإذاعة لم تلغِ الصحافة، والتلفزيون لم يلغِ الإذاعة، ولم يقضِ الإنترنت على الكتاب، وإنما أجبر كل وسيلة على اكتشاف دور جديد يناسب العصر، ومن المرجح أن يمر التلفزيون بالمسار نفسه..
لم يعد السؤال الحقيقي في مستقبل التلفزيون الإخباري متعلقًا بتراجع نسب المشاهدة أو صعود المنصات الرقمية، بقدر ما أصبح متعلقًا بتحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعلومة، فما نشهده اليوم انتقال من عصر كانت فيه المؤسسة الإعلامية تتحكم في تدفق الأخبار، إلى عصر أصبحت فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل الخبر لحظةً بلحظة، بما يتوافق مع اهتمامات كل فرد وسلوكه الرقمي، وهنا تكمن القضية التي لا تزال كثير من الجهات الإعلامية تتعامل معها كتحول تقني، بينما هي في حقيقتها تحول حضاري يعيد صياغة مفهوم الإعلام ذاته.
فعلى امتداد القرن العشرين، قامت صناعة الأخبار على معادلة واضحة؛ تمتلك المؤسسة الإعلامية أدوات الإنتاج، وتتحكم في قنوات التوزيع، وتحدد توقيت البث، بينما يلتزم الجمهور بدور المتلقي، إذ كانت النشرة الإخبارية حدثًا يوميًا ينتظره الملايين في ساعة محددة، لكن هذه المعادلة انهارت تدريجيًا مع الثورة الرقمية، بعد دخول مرحلة جديدة أكثر عمقًا مع ظهور الذكاء الاصطناعي.
اليوم، لم تعد المؤسسة الإعلامية تحتكر إنتاج المحتوى، ولا توزيعه، ولا حتى تفسيره، فالهواتف الذكية، والمنصات الاجتماعية، ومحركات البحث، والمساعدات الذكية، أصبحت جميعها تشارك في تشكيل التجربة الإخبارية للمستخدم، والخبر يصل إلى الجمهور عبر منظومة معقدة من الخوارزميات التي تقرر ما الذي يظهر، ومتى، وكيف يُعرض، وبأي صيغة يصل إلى كل مستخدم.
المنافسة الحقيقية ليست بين شاشتي التلفزيون والهاتف، وإنما بين نموذجين مختلفين للإعلام؛ نموذج يقوم على البث الجماهيري الموحد، وآخر يقوم على التخصيص الفردي المدعوم بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وهذا هو التحول يفسر لماذا أصبحت الهواتف المحمولة المنصة الرئيسة لاستهلاك الأخبار لدى شرائح واسعة من المستخدمين، خاصة بين الفئات الأصغر سنًا، وتشير تقارير Reuters Institute Digital News Report خلال السنوات الأخيرة إلى استمرار تقدم الهواتف الذكية والمنصات الرقمية باعتبارها الوسيلة الأكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار في العديد من الأسواق، مع تراجع الاعتماد على التلفزيون كمصدر أول لدى الأجيال الجديدة، في مقابل تصاعد دور الفيديو القصير والمنصات الاجتماعية، كما تؤكد بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) استمرار النمو العالمي في استخدام الإنترنت عبر الأجهزة المحمولة، وهو ما يعكس انتقالًا هيكليًا في أنماط استهلاك المحتوى.
اختزال هذه الظاهرة في فكرة "الهاتف هزم التلفزيون" يبدو تبسيطًا مخلًا؛ لأن الذي تغيّر وحدة الاستهلاك الإعلامي نفسها، ففي الماضي كانت المؤسسة الإعلامية تنتج رسالة واحدة لجمهور واسع، أما اليوم فإن الذكاء الاصطناعي يسمح بإنتاج نسخ متعددة من المحتوى نفسه، بحيث يقرأ المستثمر الخبر بطريقة مختلفة عن الطالب، ويشاهده المتخصص الاقتصادي بصورة تختلف عن المتابع الرياضي، بينما يتلقى شخص آخر ملخصًا صوتيًا في أقل من دقيقة، ومعنى ذلك أن الخبر أصبح مادة أولية يعاد تشكيلها باستمرار وفقًا لسياق كل مستخدم.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه نقل مركز القوة من المؤسسة إلى البيانات، ففي الماضي كانت قيمة المؤسسة الإعلامية مرتبطة بعدد مراسليها، وانتشارها الجغرافي، وقوة شبكاتها الإخبارية، أما اليوم فأصبحت قدرتها على فهم الجمهور وتحليل بياناته وتخصيص المحتوى له، وهو عنصر لا يقل أهمية عن جودة المادة الصحفية نفسها، ومن هنا يمكن فهم الصعود الكبير للمنصات الرقمية؛ لأنها تعرف جمهورها بصورة أدق، وما يناسب اهتماماته في اللحظة المناسبة، وهي بذلك تنقل المنافسة من "جودة الخبر" إلى "اقتصاد الانتباه"، وهو جوهر التنافس المستقبلي.
لكن هل يعني ذلك أن التلفزيون الإخباري يقترب من نهايته؟، الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد نعم أو لا؛ فالتاريخ الإعلامي يعلمنا أن الوسائل الجديدة لا تلغي الوسائل السابقة، بل تعيد تعريف وظائفها، فالإذاعة لم تلغِ الصحافة، والتلفزيون لم يلغِ الإذاعة، ولم يقضِ الإنترنت على الكتاب، وإنما أجبر كل وسيلة على اكتشاف دور جديد يناسب العصر، ومن المرجح أن يمر التلفزيون بالمسار نفسه، فالوظيفة التي سيحتفظ بها لن تكون نقل الخبر العاجل، لأن الهاتف بات أسرع، ولن تكون تقديم التحديثات المستمرة، لأن المنصات الرقمية أكثر مرونة، وإنما ستتركز قيمته في تقديم التحليل، والتحقق، والتفسير، وبناء السياق، وإنتاج التجارب البصرية الغامرة التي يصعب استهلاكها على شاشة صغيرة، وفي الوقت نفسه، ستتجه الشاشة الكبيرة أكثر فأكثر نحو المحتوى الذي يعتمد على التجربة الجماعية؛ كالأحداث الرياضية الكبرى، والأفلام، والوثائقيات، والألعاب الإلكترونية، وتجارب الواقع الممتد والواقع المعزز، حيث لا تزال التجربة المشتركة تمثل قيمة لا تستطيع الهواتف الذكية تعويضها، وربما يكون التحدي الأكبر أمام القنوات الإخبارية هو التحرر من التفكير بمنطق "القناة" إلى التفكير بمنطق "المنصة"، فالنجاح مستقبلًا مرهون بعدد اللحظات التي تستطيع فيها المؤسسة أن تكون حاضرة في حياة جمهورها، عبر الهاتف، والسيارة، والسماعات الذكية، والساعات الرقمية، ومنصات الفيديو، وأدوات الذكاء الاصطناعي، أيًا كانت الواجهة التي يختارها المستخدم.
إن المستقبل لن يكون للمؤسسات التي تمتلك أكبر الاستوديوهات، بل لتلك التي تمتلك أفضل البيانات، وأعلى درجات الموثوقية، وأسرع قدرة على تحويل المعرفة إلى محتوى قابل للتكيف مع كل منصة، وكل مستخدم، وكل لحظة، وربما سيكون السؤال الذي ستطرحه الأجيال القادمة: كيف كان الناس ينتظرون موعد نشرة أخبار واحدة، بينما أصبح بإمكان كل إنسان اليوم أن يمتلك نشرته الخاصة، ومحلله الخاص، ومساعده الذكي الخاص، في جهاز لا يغادر جيبه؟
لقد تغيّر الجهاز، وتغيّرت المنصة، لكن التغيير الأكبر كان في فلسفة الإعلام نفسها، فالذكاء الاصطناعي يعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين الجمهور والمؤسسة، وبين الحقيقة والطريقة التي تصل بها إلى الناس. ومن يدرك هذا التحول مبكرًا، سيكون أحد صُنَّاع مستقبل الإعلام.. دمتم بخير.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.