أحد أهمّ الأسئلة المطروحة على موائد النقاش في الدوائر الغربيّة في الآونة الأخيرة هو: "كيف تسعى الصين للوصول إلى القطبيّة الدوليّة، وحجز مقعدٍ لها حول طاولة الكبار أصحاب القرار، في عالمٍ لم تعُدْ قواعده القديمة هي الحاكمة، بل باتت النخبة الأوليجارشيّة التقنيّة، هي من يوجّه دفّة الأحداث؟
تبدو قصّة صعود الصين تقليديّةً، كما الحال مع بقيّة الإمبراطوريّات عبر التاريخ، إذ تبدأ من عند الصحوة الداخليّة واستنهاض الجهود لبناء الدولة، بعد طول سبات، ثم الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتيّ، وبعد فترة تتعاظم الأرباح في ظلّ وفرة الداخل، ما يدفع الدولة إلى السعي خارج أطرها الجغرافيّة بحثًا عن أهدافٍ اقتصاديّة ومصالح أكثر رحابةً.

لاحقًا تأتي مرحلة تستشعر الدولة أنّ هناك حاجةً لحماية كيانها خارج أطرها الإقليميّة، ومن هنا تهتمّ بتعاظم قدراتها العسكريّة.
ولعلّ نظرةً سريعة على الاستعراض العسكريّ الصينيّ الذي جرى في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، يقطع بأنّ الجيش الصينيّ، والذي سيحتفل في الأول من أغسطس/ آب القادم بتسعة وتسعين سنةً على انطلاقته، بات رقمًا صعبًا على خارطة النفوذ الدوليّ.
عطفًا على ذلك، فإنّ الصين وبحسب عددٍ واسع من المراقبين، تعمل جاهدةً في السنوات الأخيرة على توسيع ترسانتها النوويّة، والوصول إلى رقم ألف صاروخ مُحمَّل برؤوسٍ نوويّةٍ، وهو رقمٌ يقلّ أربعة أو خمسة أضعاف عمّا تملكه كلٌّ من روسيا والولايات المتّحدة منفردتَيْن، لكن في نهاية المشهد فإنّ أحدًا غير قادر أو راغب في التصدّي والتحدّي لهذا الكَمّ من الشتاء النوويّ المحمول جوًّا وبرًّا وبحرًا.

في الوقت عينه، لم تكُفّ الصين عن تطوير أسطولها، وقد بلغ عددُه نحو 770 قطعة وبما يتفوَّق على الأسطول البحريّ الأميركيّ، وحتّى إذا كانت التكنولوجيا الأميركيّة متفوّقةً اليوم، فإنّ الصين ربّما وجدت مصباح علاء الدين الذي يكفل لها طريقًا مؤديًّا إلى المشاركة على الأقلّ في الهيمنة العالميّة، وضمان مقعد ثابت ودائم بين الكبار.. ماذا عن هذا؟

باختصار غير مُخِلّ، يمكن القول إنّ التطوّرات السريعة التي شهدتها الصين في عالم الذكاء الاصطناعيّ، باتت عاملًا مؤثّرًا وفاعلًا إلى أبعد حَدٍّ ومَدٍّ في رسم ملامح المشهد العالميّ، وبصورةٍ لم يكن أحدٌ يتوقّعها قبل عقدَيْن من الزمن، الأمر الذي يقول الراوي إنّه ستكون له تداعيات واسعة ومعمَّقة حول الأوضاع الجيوسياسيّة العالميّة، وسيترك حفرًا عميقًا في البنية التكتونيّة لكثير من الدول القوميّة حول العالم.

ولعلّ علامة الاستفهام الأكثر رواجًا في الغرب: "هل ستقود فتوحات الصين في عالم الذكاء الاصطناعيّ، إلى رحابة في الحوكمة الداخليّة، وبتعبيرٍ أكثر صراحةً ودون أدنى مراوغة، هل يمكن للذكاء الاصطناعيّ، بوصفه صَيْحةً عالميّة جاءت من الغرب، أن يفتح الطريق لمسارات الديمقراطيّة، ويعيد بلورة مساقات الحرّيّة، في بلاد المليار وربع المليار نسمة؟

هنا يبدو الجواب مثيرًا لقلق الكثير من الدوائر الغربية التقليديّة، وربّما للشرقيّة منها، لا سِيَّما اليابان.
لم يَعُدْ سرًّا القول إنّ الصين طَوَّرت أنظمةَ مراقبةٍ متقدّمة للغاية تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ، مستخدمة تقنيّات التعَرُّف على الوجوه والتنَبُّؤ بالجريمة وتتبع البيانات البيومتريّة لمراقبة مواطنيها.

يقول منتقدو الصين إنّه بات لديها اليوم ما يُعْرَف بِ"جدار الحماية العظيم" وهو آليّة رقابة مدعومة بالذكاء الاصطناعيّ، تتحَكَّم في تدَفُّق المعلومات وتشَكُّل الرأي العامّ، وتعزّز سلطة الحزب الشيوعيّ الصينيّ.
وفي الوقت عينه تقوم على شَنّ حملات التضليل بالروايات المحلّيّة وتؤثّر على وسائل الإعلام الدوليّة، دافعةً برسائل مؤيّدة لبكين في حين تقمع الآراء المعارضة.

ما هي صحة هذه الرواية؟

المؤكَّد أنّ الصين تنفيها، وترى أنّها مزاعم غربيّة تقليديّة، وأميركيّة بنوعٍ خاصٍّ، وهدفُها شقُّ وحدة الصفِّ الصينيّ في الداخل، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعيّ عينها، في محاولة لإحداث ثورات وفورات تهدم هيكليّة الدولة، وتسعى وراء اختراق القوّات المسلّحة الصينيّة، لا بل وأكثر من ذلك تعمل على محاولة إبطاء النمو الاقتصاديّ، ذاك الذي قاد إلى تحقيق معجزةٍ صينِيّة، يقف الجميع أمامها مشدوهًا وغير مصدِّق تغَيُّر موازين القوة الدوليّة.
نحن إذن أمام روايتين متناقضتين، كالعادة في أزمنة الصراعات القطبيّة، لكن ومهما يكن من أمر، فقد بات مؤكَّدًا جدًّا أنّ ملامح ومعالم العالم الجديد القادم، سوف ترسم بالعقول الإلكترونيّة، والروبوتات الآليّة بأكثر من الجنود البشريّة في ساحات المعارك.

تبدو إستراتيجية الصين اليوم، تنحو إلى إدخال الذكاء الاصطناعيّ في كافّة مناحي الدولة، وبات حضور تلك الذكاءات واضحًا جدًّا في المجالات العسكريّة والاقتصاديّة والچيوسياسيّة.

خذْ إليك الجيش الصينيّ، والذي تتعاظم قوّته يومًا تلو الآخر، ها هو يطوّر بسرعة فائقة أنظمة حربٍ ذاتيّة التشغيل مدعومة بتلك الذكاءات، عطفًا على قدرات حرب إلكترونيّة، وأدوات تحليل استخباراتيّ، ممّا يجعل الصين لاعبًا رئيسيًّا في ديناميكيّات الصراعات المعاصرة.
على أنَّ هناك قصّةً أخرى تربط بين الحضور الصينيّ العالميّ، والذكاءات الاصطناعيّة، وتجعل من بكين مركزًا متقدّمًا للتحَكُّم في واحدةٍ من أركان الحياة الإنسانيّة، ونعني بها صناعة الأدوية العالميّة، وبالتالي سلاسل التوريد.
برزت الصينُ كلاعبٍ لا غنى عنه في مجال الابتكار الدوائيّ العالميّ، فمن البحوث الأساسيّة إلى التجارب السريريّة، أصبحت الصين محرّكًا حيويًّا للابتكار على مستوى العالم.

وفي السنوات الأخيرة، وَسَّعت الشركاتُ الصينيّة بشكلٍ ملحوظ حضورَها في اتّفاقيات الترخيص العالميّة. فعلى سبيل المثال، ارتفع متوسّط القيمة الأوّليّة لاتّفاقيّات الترخيص بين شركات الأدوية العالميّة والشركات الصينيّة المبتكرة، ارتفاعًا كبيرًا، ممّا يعكس تزايُد الثقة الدوليّة بجودة وسرعة البحث والتطوير الصينيّ.
هل كانت الصين إذن في حاجةٍ ماسّة إلى جدار حماية الذكاء الإصطناعيّ العظيم؟

ربما من مفارقات الحياة، أن يجد المرءُ ذاتَ العقليّة الصينيّة الكونفوشيوسية هي الحاكمة والفاعلة عبر العصور، ، والتي تتجَلَّى بوضوحٍ في البنية التحتيّة للدولة الصينيّة منذ القدم، وهي التي جعلت الصينيّين يقومون ببناء سور الصين العظيم في فترة الممالك المتحاربة بين 475 و221 ق.م، واستمر تشييدُه وتطويره عبر سلالاتٍ حاكمة متعاقبة على مدار 2000 عام.

اليوم تبني الصين سورًا جديدًا، لتضحيَ تاريخيًّا بين سورَيْن، الأوّل عرف طريقه إلى مواد البناء التقليديّة، فيما الآخر استمد قدراته الفائقة من أدوات العصر الحديث، أي من الثلاثي المرعب: الذكاءات الاصطناعيّة، والرقائق المعدنيّة، والحوسبة الكموميّة.

لكنّ الفارق الأكيد بين الجدارَيْن، هو أنّ جدار الحماية العظيم يعزّز اندماجها في النظام العالميّ الجديد، بينما السور العظيم كان يهدف إلى فصلها عَمَّن حولها.
اليوم يعزّز الذكاء الاصطناعي مقدرة الصين على التوغُّل في المنظّمات الدوليّة، ويُسْرِع من قدرتها على صياغة قوانين الأمن السيبرانيّ والتجارة والحوكمة العالميّة.

هل يعني جدار الحماية الصينيّ أنّنا أمام معارك عالميّة مغايرة؟

الشاهد أنّه رغم صحّة هذا القول، إلّا أنّه لا يمنع من القطع بأنّ هناك استعداداتٍ لوجستيّةً صينيّة تجري على قدمٍ وساق لا سِيَّما في منطقة الإندوباسيفيك، ترقُّبًا لمواجهاتٍ مسلَّحة هناك تبدأ من عند الأسلحة التقليديّة، وقد تمضي الأمورُ عند سخونة الرؤوس إلى الأسلحة النوويّة، ما يقودنا إلى أزمات المحيط الهادئ تحديدًا والصراعات الجارية هناك، وللحديث تتمّةٌ بإذن الله.

مادة إعلانية

مادة إعلانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.