تبريد الرياض
كشفت محاكاة مناخية أُجريت في مارس 2026 على مدن الخليج وشمال أفريقيا، أن المباني ذات الواجهات الزجاجية الكاملة دون تظليل تستهلك طاقة تبريد أعلى بنسبة 240% مقارنة بالمباني المعزولة حرارياً، ودعت الدراسة إلى اعتماد العمارة الهجينة التي تستغل فتحات الهواء والظلال الطبيعية.
وفي ظل التحديات المناخية المتزايدة، تتجه العواصم الخليجية إلى تبني حلول مبتكرة لخفض درجات الحرارة وتحسين جودة الحياة.
ذكرت صحيفة الاقتصادية في أواخر مايو الماضي أن السعودية تُخطط لتنفيذ مشروع تبريد مدينة الرياض اعتباراً من العام المقبل 2027، بهدف خفض درجة حرارة الإسفلت والجدران المحيطة بالمباني المعزولة بمعدل 8 إلى 15 درجة مئوية. ولا يزال المشروع قيد الدراسة الاستشارية والتحليلية من قبل شركة بلانيت اليونانية، التي حددت خمس مناطق تجريبية لاختبار حلول التبريد، وأمهلت 12 شهراً لفهم التحديات الحرارية وتقديم الخطة الكاملة.
لا يُعد مشروع تبريد الرياض إجراءً تجميلياً، بل خطة طوارئ لتصحيح خطأ هندسي تراكم على مدى قرن من التحضر الخرساني الذي حوّل المدن إلى مصائد حرارية. وتعاني مدن الخليج ذات التمدد الأفقي من تشبع المباني بالحرارة، إذ تخزن الجدران الإسمنتية والأبراج الزجاجية الحرارة نهاراً وتطلقها ليلاً. وقد أظهرت دراسة لمعهد ماساتشوستس للتقنية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية في ديسمبر 2025 أن الإسفلت الأسود يمتص 95% من أشعة الشمس ويعيد إطلاقها في الهواء.
كل ما قيل معلوم عند القائمين على مشروع التبريد، وهم يدرسون طلاء الطرق والأرصفة بمواد نانونية بيضاء أو رمادية فاتحة، تعكس الأشعة الشمسية بدل امتصاصها، وبما يجعل درجة الحرارة تتراجع لما يصل لـ15 درجة مئوية، يصاحبها انخفاض في حررارة الهواء المحيط بنحو درجتين إلى أربع درجات ونصف درجة مئوية، ومعها إلزام المشاريع الجديدة بنسب محددة من التشجير لواجهاتها، لتوليد ما يسمونه: التبريد بالتبخير، وهو نفس المبدأ الذي يفسر برودة الواحات وسط الصحراء، وتفعيل كـــود بناء يمنع استخدام الزجاج العاكس التقليدي، واستبـداله بآخر منخفض الكربون، يمتاز بقدرته على التبريد الإشعاعي، وعكس موجات الحرارة الطويلة إلى الفضاء الخارجي مباشرة، دون أن تحبسها في الشارع.
تعتبر مدينة لاس فيغاس الأميركية بمثابة التوأم المناخي للرياض، وقد أظهرت تقاريرها الهندسية لعام 2025، أن توسعها الخرساني الكبير في التسعينات الميلادية، رفع درجات حرارتها الليلية لحوالي 4,2 درجة مئوية، ما أفقد المدينة ميزتها الصحراوية التاريخية، فقد كانت معروفة بليلها البارد، وأصبحت اليوم أقرب إلى فرن أو مخزن للطاقة لا يهدأ أبداً، ونشر معهد أبحاث الطاقة في كاليفورنيا في نوفمبر 2025، بحثا مهما أكد فيه أن استبدال الأسطح الداكنة بأسطح عاكسة في المدن، يسهم في عكس ما يصل إلى 80 % من ضوء الشمس إلى الفضاء، ويجعل حرارة المباني الداخلية تتراجع بنسبة 18 %.
قامت دراسة عربية أجريت في مارس 2026، بعمل محاكاة مناخية لمدن الخليج وشمال أفريقيا، وجاءت النتيجة أن المدن التي تعتمد على واجهات زجاجية بالكامل، دون تظليل خارجي، تحتاج لطاقة تبريد تفوق المباني ذات العزل الحراري المتقدم بنسبة 240 %، وأوصت بضرورة الانتقال الفوري إلى العمارة الهجينة، التي تأخذ بفتحات الهواء والظلال الذاتية، والسابق لم يغب عن مشروع التبريد السعودي، لأن أمانة الرياض تفكر في فتح ممرات عملاقة، تسمح لنسيم الأودية الطبيعي كواديي حنيفة والسلي، باختراق الكتل الخرسانية إلى وسط المدينة، وتشتيت الهواء الساخن المحتبس بين الأبراج، وهذا المفهوم مأخوذ من عبقرية تخطيط المدن الإسلامية القديمة.
مشروع تبريد الرياض، ركز على كشط الإسفلت وطلائه بمواد عاكسة للحرارة، وهو أمر جيد، ولكنه لا يناسب العاصمة السعودية، برأي خبراء العمارة، فأرضها مصمتة في مجملها، لأنها خرسانية أو إسفلتية وتمنع تنفس التربة، ويمكن الاستفادة من دراسة هندسيـــــة نشــرتها الجمعية الملكية البريطانية للمعماريين، في سبتمبر 2025، عن المدن الاسفنجية، التي تسمح للتربة تحت الأرض بإطلاق رطوبتها المخزنة إلى الغلاف الخارجي لتبريد الهواء، وتقلل من أحمال التكييف بنسبة 22 %، وبدون اللجوء لطلاءات كيميائية قد تتأكل بفعل حركة الإطارات، وبما يحول الشوارع من مخازن للطاقة إلى مسارات مبردة ذاتياً، وخبراء المياه بتحفظون على زراعة ملايين الأشجار، في بيئة جافة كالرياض، دون ري مقنن ومعتمد بالكامل على المياه الرمادية، لأنه سيؤدي إلى نتيجة عكسية، فالتربة الجافة ستمتص الرطوبة المتبقية في الجو، ما يرفع من مؤشر الإجهاد الحراري المحسوس بين الناس، وكلها لا تفوت على الأجهزة الحكــومية والخبراء العاملين في مشروع تبريد الرياض، ولكني أقول ما قلت من باب التذكير والحرص، خصوصاً أنها المدينة الأجمل في خارطة الوطن وفي ذاكرته.
ويأتي مشروع تبريد الرياض ضمن جهود أوسع لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 ومبادرة السعودية الخضراء، مما يعزز مكانة العاصمة كوجهة عالمية مستدامة. وتستفيد الرياض من تجارب مدن مثل لاس فيغاس التي شهدت ارتفاعاً في درجات الحرارة الليلية بسبب التوسع الخرساني، مما يؤكد الحاجة الملحة لتبني حلول عاكسة للحرارة وتقنيات التبريد السلبي. كما أن التنسيق بين الجهات الحكومية والخبراء يسهم في تجنب الآثار السلبية المحتملة، مثل استهلاك المياه لري الأشجار في بيئة جافة.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.