من التوصية.. إلى الذكاء الاصطناعي
المقال
من التوصية.. إلى الذكاء الاصطناعي
كيف تغيّرت ثقة المستثمر؟
إذا أردت أن تعرف كيف تغيّر المستثمر خلال العقود الماضية، فلا تنظر إلى سرعة الأسواق، ولا إلى تطور الشاشات، ولا إلى الذكاء الاصطناعي. انظر فقط إلى سؤال واحد ظل يتغير مع الزمن:
لمن يمنح المستثمر ثقته عندما يتخذ قراره؟
هذا السؤال، في رأيي، يختصر رحلة الاستثمار بأكملها.
فعندما بدأت أسواق المال الحديثة، لم يكن المستثمر يعرف سوى نفسه. يحمل شهادة السهم الورقية، ويذهب إلى الوسيط، ويستمع إلى الأخبار، ثم يقرر وحده. كانت المعلومة محدودة، والوصول إليها أصعب، لكن مسؤولية القرار كانت واضحة؛ إن أصاب، فله، وإن أخطأ، فعليه.
ومع اتساع الأسواق، ظهرت صالات التداول التي يتذكرها كثير من المستثمرين. كان بعضهم يقضي ساعات طويلة أمام الشاشات يتابع حركة الأسعار، ثم يطلب من موظف البنك أو الوسيط تنفيذ الصفقة. وبعدها انتقلت الأسواق إلى الحاسب الآلي، ثم إلى مواقع البنوك، ثم إلى تطبيقات الهواتف الذكية، حتى أصبح تنفيذ عملية شراء أو بيع لا يستغرق أكثر من ثوانٍ.
ورغم كل هذا التطور، بقي شيء واحد ثابتًا. المستثمر هو من يقرر.
لكن الحقيقة أن المستثمر لم يكن يعتمد على المعلومات وحدها، بل على الثقة أيضًا.
جيل كامل من المستثمرين يتذكر أيام كانت فيها عبارة واحدة قادرة على تحريك السوق:»عندي توصية.»
كانت التوصية تنتقل من مجلس إلى مجلس، أو من وسيط إلى عميل، ثم انتقلت إلى المنتديات الإلكترونية، وبعدها إلى الرسائل النصية، ثم إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ولم يكن كثير من المستثمرين يسألون عن التحليل أو القوائم المالية بقدر ما كانوا يسألون: هل أدخل الآن قبل أن يفوتني السهم؟
وبمرور الوقت، لم تختفِ التوصيات.
هي فقط غيرت شكلها.
اليوم، لم يعد كثير من المستثمرين ينتظر رسالة من صديق أو محلل، بل يفتح ChatGPT أو Claude، أو يستخدم أدوات تحليل متقدمة مرتبطة بمنصات مثل TradingView وMetaTrader، طالبًا تحليل سهم، أو قراءة نتائج شركة، أو اقتراح أفضل نقطة للدخول والخروج.
وللمرة الأولى في تاريخ الاستثمار، أصبحت التوصية تأتي من خوارزمية، لا من إنسان.
وهنا، في اعتقادي، حدث التحول الحقيقي.
فنحن لا نشهد مجرد تطور في أدوات الاستثمار، بل نشهد انتقال الثقة من الإنسان إلى التقنية.
ولكي نكون منصفين، فإن هذا التحول يحمل مزايا يصعب إنكارها. فالذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة آلاف الصفحات في دقائق، وتحليل كم هائل من البيانات، وربط الأخبار الاقتصادية بحركة الأسواق، ومراقبة عشرات الأدوات المالية في الوقت نفسه. كما أنه لا يعرف الخوف الذي يدفع بعض المستثمرين إلى البيع في أسوأ اللحظات، ولا الطمع الذي يدفعهم إلى الاحتفاظ بالاستثمار أكثر مما ينبغي.
ولهذا بدأت كبرى المؤسسات المالية في العالم تستثمر مليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة المخاطر، وتحليل الأسواق، ودعم قرارات الاستثمار.
لكن في المقابل، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعرف ظروفك الشخصية، ولا أهدافك المالية، ولا قدرتك على تحمل الخسارة. وقد يقدم تحليلًا مقنعًا، لكنه لا يتحمل نتيجة القرار إذا كان خاطئًا.
وهذا ما دفع جهات رقابية، مثل لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC)، إلى التحذير من الانخداع بالإعلانات التي تزعم أن بوتات التداول أو الذكاء الاصطناعي قادرة على تحقيق أرباح مضمونة أو التنبؤ الدقيق بحركة الأسواق، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التنبؤ بالمستقبل أو إزالة المخاطر الملازمة للاستثمار.
والأمر لا يتعلق بالاحتيال فقط، بل بالتطور نفسه. فاليوم لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي تكتفي بتحليل البيانات، بل بدأ العالم يتجه نحو ما يعرف بـ AI Agents، وهي أنظمة تستطيع متابعة الأسواق، وقراءة الأخبار، وتحليل البيانات، بل وتنفيذ بعض القرارات بصورة شبه مستقلة. وفي الوقت نفسه، بدأت الجهات التنظيمية في مواكبة هذا التطور. ففي المملكة العربية السعودية، اعتمدت هيئة السوق المالية هذا العام تنظيم خدمات المستشار الآلي (Robo-Advisory)، في خطوة تعكس استعداد السوق للاستفادة من التقنيات الحديثة ضمن إطار تنظيمي يحمي المستثمر ويعزز كفاءة السوق.
ومع ذلك، أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل سيستخدم المستثمر الذكاء الاصطناعي؟ لأن الإجابة أصبحت محسومة.
الجميع سيستخدمه، كما استخدم الإنترنت، ثم الهاتف الذكي، ثم التطبيقات.
السؤال الحقيقي هو: هل سيبقى الذكاء الاصطناعي مستشارًا.. أم سيتحول إلى صاحب القرار؟
في رأيي، لا يكمن الخطر في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً.
بل في أن يعتاد الإنسان ألا يفكر من دونها.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات، ويختصر الوقت، ويقارن بين آلاف الاحتمالات، لكنه لا يستطيع أن يتحمل نتيجة قرار استثماري اتخذه نيابة عنك.
ولهذا، ربما لن يكون أهم سؤال يواجه المستثمر في السنوات القادمة:
«أي منصة تستخدم؟»
ولا: «أي نموذج ذكاء اصطناعي تعتمد عليه؟»
بل سؤال أبسط من ذلك بكثير.. بعد كل هذا التطور.. هل ما زال القرار قرارك؟.
المصدر الأصلي: الرياض
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.