دراسة جديدة: الذكاء الاصطناعي يهدر وقت الطبيب
بعض ردود الذكاء الاصطناعي تحيِّر المرضى وتُجبر الأطباء على قضاء وقت في تصحيحها.
خلصت دراسة أجرتها جامعة دارتموث إلى أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الرد على استفسارات المرضى يستهلك جانباً كبيراً من وقت الأطباء، وذلك نتيجة لضرورة تصحيح الأخطاء التقنية وإغفال تلك الأنظمة لمواعيد المتابعة الضرورية. ومع ذلك، تشير الباحثة لوسيا أورباخ إلى أن ابتكار أساليب تدريبية جديدة قد يمثل مخرجاً عملياً لتجاوز هذه العقبات.
تأتي هذه الدراسة في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الحلول الرقمية في إدارة بوابات المرضى الإلكترونية ضمن نظم الرعاية الصحية الحديثة.
تعطيل المرضى بسبب ردود الذكاء الاصطناعي
بات التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يتسارع بشكل لافت يشبه وتيرة تفشي «الإنفلونزا» داخل قاعات الانتظار بالطوارئ، ما يطرح تساؤلات عما إذا كان هذا التوجه هو السبب الفعلي وراء تأخر المرضى في الحصول على مواعيدهم الطبية.
وقد وجدت دراسة جديدة من كلية دارتموث أن أخطاء الذكاء الاصطناعي قد تُكلِّف الأطباء وقتاً ثميناً عند ملء السجلات الطبية. فالأخطاء والتفاصيل غير ذات الصلة تُجبر الأطباء على قضاء وقت في تصحيح ردود الذكاء الاصطناعي، وهو وقت كان من الممكن استغلاله في علاج المرضى أو التحدث معهم.
مقارنة الردود الذكية المولَّدة بالردود الحقيقية
وعُرضت الدراسة في الاجتماع السنوي لعام 2026 لجمعية اللغويات الحاسوبية، ونُشرت في وقائع المؤتمر. وكانت هذه أول دراسة واسعة النطاق لبوابة إلكترونية للمرضى تستخدم الذكاء الاصطناعي لصياغة الردود عليهم. وطوَّر الباحثون أداة تُقارن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بمجموعة بيانات من الردود الحقيقية التي صاغها متخصصون في الرعاية الصحية من مؤسسة «دارتموث هيلث». وحلَّلوا 146 ألف محادثة بين 10 آلاف و105 مرضى وأطباء الرعاية الأولية في نظام الرعاية الصحية الريفي الكبير. بالإضافة إلى ذلك، استخدموا الأداة لتقييم ردود الأطباء بواسطة برامج «كلود» و«جيميناي» و«تشات جي بي تي» و«لاما» (Llama)، و«ألوي» (Aloe)، و«كوين» (Qwen).
وقالت الدكتورة سارة بريوم المؤلفة الرئيسية للدراسة، في بيان صحافي: «وجدنا أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو كطبيب، ولكنه لا يفكر مثله».
الذكاء الاصطناعي وعدم التوافق
تشير النتائج إلى أن الردود المُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي غالباً ما تكون غير متوافقة مع ما يكتبه الأطباء فعلياً. يشمل ذلك الردود الطويلة جداً، أو التي تتضمن تفاصيل طبية غير ذات صلة أو غير دقيقة، أو التي تفتقر إلى أسئلة المتابعة. وفي إحدى الحالات، اقترح الذكاء الاصطناعي في البوابة الإلكترونية على امرأة تبلغ من العمر 32 عاماً تتناول دواءً لحموضة المعدة، وكانت قلقة بشأن الغثيان المستمر، تعديل نظامها الغذائي. وتجاهل الطبيب ذلك الاقتراح، وسأل عما إذا كان هناك أي احتمال لكونها حبلى.
أسئلة المرضى والأخطار على المسنين والحوامل
من بين جميع الثغرات التي حددها الباحثون، برز عدم طرح أسئلة متابعة توضيحية. وهذه مشكلة، كما تقول بريوم لمجلة «إنك»؛ لأن سؤال المتابعة غالباً ما يُوجِّه الرعاية في الاتجاه الصحيح.
وينطبق هذا بشكل خاص على رسائل الإبلاغ عن الأعراض؛ حيث إن طرح السؤال الخاطئ، أو عدم طرح أي سؤال على الإطلاق، قد يُؤدي بالمريض إلى مسار تشخيصي أو علاجي خاطئ.
وأوضحت بريوم أن التداعيات السلبية لهذه الأخطاء تتفاقم بشكل خاص عند التعامل مع الفئات الأكثر احتياجاً للرعاية، مثل كبار السن، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى السرطان، ومن يتلقون علاجات تثبط المناعة، إضافة إلى النساء الحوامل.
وأضافت بريوم أنه «يمكن للنموذج دائماً توليد إجابة دون طرح أي أسئلة أولاً، وهذا ليس عيباً. إلا أن العيب الحقيقي هو أن الطبيب الحقيقي، لو تلقى الرسالة نفسها، لكان قد طرح سؤالاً توضيحياً قبل الرد. وعندما يتجاهل النموذج هذه الخطوة، فإنه لا يعمل بكفاءة؛ بل يخمن فقط».
توليد رسائل مُخصصة
مع ذلك، توجد بعض الفوائد المحتملة لهذه التقنية الجديدة في مجال الرعاية الصحية. فقد وجد الباحثون أنه من خلال تكييف الذكاء الاصطناعي مع أساليب التواصل الفردية للأطباء، يمكن تحسين الدقة بنسبة 33 في المائة، وتقليل التحرير بنسبة تصل إلى 26 في المائة. وخلصت الدراسة إلى أن ردود الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مفيدة عند تخصيصها وفقاً لاحتياجات الطبيب.
وابتكر الباحثون تقنية تُسمى «TADPOLE» وهي اختصار لـعبارة «تحسين التفضيل المباشر للوكيل الموضوعي لتعزيز التعلم» (Thematic Agentic Direct Preference Optimization for Learning Enhancemen) التي تُدرّب منصات الذكاء الاصطناعي باستخدام نموذج هجين مُكوَّن من ردود الطبيب وردود الذكاء الاصطناعي. وعندما قاموا بدمج برنامج «TADPOLE» مع 6 أنظمة تجارية لإدارة التعلم، وجدوا أن الردود المُعدَّة مسبقاً تتوافق بشكل أفضل مع معايير الطبيب للدقة وجودة المعلومات، ما يوفر على الأطباء المشغولين ساعة إلى ساعتين من العمل يومياً.
مخاطر نشر الذكاء الاصطناعي من دون تقييم
يُعدُّ نشر هذه الأدوات على نطاق واسع قبل تقييمها من حيث السلامة والتحيز وممارسات الذكاء الاصطناعي المسؤولة الأخرى خطراً حقيقياً، لا سيما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر من المرضى. كما يُشكِّل خطراً محتملاً على مقدمي الرعاية الصحية وأنظمة الرعاية الصحية؛ إذ يُؤدي أي رد خاطئ أو مُضلل مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي إلى مخاطر قانونية كبيرة.
* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».
تسلط هذه النتائج الضوء على الفجوة النوعية بين معالجة البيانات الخوارزمية والحس السريري الذي يتمتع به الطبيب البشري. ومع استمرار الاعتماد على هذه التقنيات، تبرز الحاجة الملحة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة توازن بين كفاءة الأتمتة وضرورات الرعاية الطبية الشخصية. ويظل التحدي قائماً في ضمان ألا تؤثر هذه الأدوات سلباً على سلامة المريض أو تزيد من العبء الإداري على الكوادر الطبية.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.