يقول العقاد في عبقرية الإمام علي: «شر كلها.. وشر ما فيها أنه لا بد منها». وهذه المقولة تنطبق تمامًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فهي شر لا يُستغنى عنه، أشبه بأفيون الشعوب يتعاطونه بشغف، وأصبحت ضرورة حياتية.

وهذه المنصات التي غزت حياتنا تحمل في طياتها مخاطر جمة تهدد الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

إنها مسرح للحروب النفسية والاغتيالات المعنوية والفتن، فلا يسلم من شرها وزير ولا خفير ولا رجل أعمال ولا حتى حطاب في الجبال، فمن وقع في براثنها واجه مصيرًا قاسيًا.

دول وجماعات تستثمر فى هذه المنصات، وينفقون عليها إنفاق من لا يخشى الفقر، كتائب إلكترونية فى أقبية مسحورة، وذئاب وضباع مطلوقة على الآمنين، خبراء فى قلب الحقائق، وخلط الأوراق، وتشويه الرموز، وإشانة السمعة، ما يحرف بوصلة المجتمعات عن قبلتها، وشر ما فيها الانقياد الأعمى لعموم المستخدمين وراء الترندات التى تشيرها هذه المنصات الشريرة.

دول عتيدة تستثمر فى هذه المنصات، ما يعرف بالاستثمار الدبلوماسى والاستراتيجى لتعزيز حضورها، ورسم صورتها، والتوكيد على توجهاتها، ودول تضررت وتتكبد خسائر فادحة من استهداف المنصات العقورة، وجماعات إرهابية وكارتلات إجرامية تمتطى هذه المنصات، وتتموضع فى مفاصل الفضاء الإلكترونى، وتطلق مسيراتها الإلكترونية تقصف الرؤوس العارية، وتنخر فى أساسات السلم المجتمعى، وفق مخططات تستهدف فتن الشعوب، وتخريب الاقتصاديات، وإجهاض المشروعات الوطنية، فضلًا عن الاستهدافات الشخصية، ما يعرف بالاغتيالات المعنوية.

نعم، شر كلها.. التعويل على المنصات الشريرة نفسها فى كبح جماح شرورها، كمن يسلم القط مفتاح الكرار، يعبث ما شاء وشاء له الهوى. نموذج ومثال: عملاق مواقع التواصل الاجتماعى، شركة فيسبوك، اختارت الإخوانية اليمنية «توكل كرمان» عضوًا فى مجلس الإشراف على المحتوى (٢٠٢٠ م). فيسبوك كمن سلّم الإخوان مفتاح الكرار، وفى قمة هذه المنصات يتربصون بالدولة المصرية ورموزها.

القوانين التقليدية الموضوعة قبل الثورة الرقمية لم تعد كافية لمواجهة هذه المنصات. دول كبرى مثل كندا واليابان والأرجنتين اتجهت لتطبيق قوانين الخصوصية والتشهير وحماية المستهلك. كما استحدثت جنوب أفريقيا قانون الجرائم الإلكترونية، وتطبق روسيا أطرًا تنظيمية صارمة للتحكم في تدفق البيانات والمحتوى الذي يهدد أمنها القومي.

إيطاليا ودول الاتحاد الأوروبى الأخرى تتبنى أطرًا تنظيمية موحدة ومتقدمة، تعتمد على مزيج من القوانين الوطنية ولوائح الاتحاد الأوروبى (مثل قانون الخدمات الرقمية)، التى تُلزم المنصات بشفافية أكبر ومكافحة المحتوى غير القانونى.

شر كلها، ماذا نحن فاعلون فى مواجهة شرور السوشيال ميديا؟

هل تقف الدولة المصرية مكتوفة الأيدى فى مواجهة قصف المسيرات الإلكترونية؟ القصف صار مركّزا وكثيفًا، ويستهدف كل ما هو مصرى، والجماعات الإرهابية (سيما الإخوان) تستخدم المنصات الإلكترونية فى شن الحروب النفسية الإلكترونية، وتشعل فتنًا وحرائق.

إطفاء الحرائق الإلكترونية بالطرق التقليدية لا يوفر حماية، حرب الاستنزاف الإلكترونية تستنزف الوقود الحيوى للدولة المصرية، والحل (قبة) قانونية حصينة، وإقامة منظومة دفاعية معلوماتية فى مواجهة الاختراقات فرط الصوتية. المعلومات بشفافية، وعلى وقتها هى الحل.

نقلاً عن المصري اليوم

مادة إعلانية

مادة إعلانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

ورغم الجهود التشريعية في عدة دول، يبقى التحدي الأكبر في الموازنة بين حرية التعبير والحماية من الأضرار. وتواجه الدول صعوبات في ملاحقة التجاوزات نظراً لطبيعة هذه المنصات العابرة للحدود. ويبقى التوعية الإعلامية والتعليم الرقمي أدوات مهمة في مواجهة هذه المخاطر.